3 - 4 - قوله: (مِنَ الوَحْي) (مِنَ) للتبعيض أو للبيان، والرؤيا تختصُّ [1] بالمنام، كما اختصَّ الرأي بالقلب، والرؤية بالعين، وقولها: (في النوم) لزيادة الإيضاح، أو لدفع
ص 22
مَن يتوهَّم أنَّ الرؤيا تطلق [2] على رؤية العين مجازًا، وكانت [3] مدَّة الرؤيا ستَّة أشهر، وكان ابتداء النبوَّة بالرؤيا في شهر ربيع الأوَّل، وهو شهر مولده، واحترز بقوله: (مِنَ الوحي) عمَّا رآه مِن دلائل النبوَّة مِن غير وحيٍ؛ كتسليم الحجر عليه.
قوله: (لا يَرَى رُؤْيَا) هو بغير تنوين، كـ (حُبْلَى).
وقوله: (مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ) أي: ضياءه، نصب على الحال، و (الفَلَق) بمعنى المفلوق؛ أي: شقَّ على ظلمة الليل ونشر، وتكون إضافته إلى (الصُّبْح) مِن قبيل إضافة العامِّ إلى الخاصِّ، وإنَّما عبَّر عن صدق الرؤيا بفَلَق الصبح؛ لأنَّ شمس النبوَّة كانت مبادئ أنوارها الرؤيا إلى أن ظهرت أشعَّتها وتمَّ نورها.
قوله: (الخَلَاءَ) بالمدِّ؛ هو الخلوة، وإنَّما حُبِّبَت؛ لأنَّ فيها فراغ القلب، وصفاء الذكر وانقطاع العوائق، و (الغار): ثقب في الجبل، وهو قريبٌ مِن معنى الكهف، و (الحِرَاء): بالمد وكسر الأوَّل، وروي بالفتح والقصر، جبلٌ على ثلاثة أميالٍ مِن مكَّة، عن يسار الذاهب إلى منًى، يصرف بإرادة الموضع، ولا يصرف بتأويل البقعة، وإنَّما خصَّ حراء بالتعبُّد؛ لأنَّه ينظر منه الكعبة.
قوله: (وَهُوَ) أي: التحنُّث (التعبُّدُ)، وحقيقة التَّحَنُّث: التجنب عنِ الحنث، وهو الإثم، وقد يَجِيْء (التفعل) بمعنى التجنب عن أصل الفعل؛ نحو: تخوَّن؛ أي: اجتنب عن الجنب، ورُوِيَ: (يتحنَّف) بالفاء؛ أي: يتبع الحنيفيَّة.
قوله: (الَّلَيَالِي) ظرف لـ (يتحنَّث)، لا لـ (التعبُّد)؛ لأنَّ التحنُّث لا يشترط فيه الليالي، بل هو مطلق التعبُّد، وهذا التفسير مِن كلام عائشة رضي الله تعالى عنها، أو مِن قول الزهريِّ، أدرجه في الحديث، ورواية المؤلِّف مِن طريق يونس عنه في (التفسير) يدلُّ على الإدراج.
قوله: (ذَوَات العَدَدَ) وكان شهرًا، وهو شهر رمضان، قيل: كان يتعبُّد بالتفكُّر والاعتبار، أو بما شرع له بوحي الرؤيا.
قوله: (يَنْزِع) بفتح أوَّله وكسر الزاي؛ أي: يشتاق إلى الأهل فيرجع إليهم.
قوله: (ويَتَزوَّدُ) بالرفع عطفًا على (يتحنَّثُ)، والتزوُّد استصحاب الزاد.
قوله: (لِذَلِك) أي: للخلاء أو للتعبُّد، وفيه مشروعيَّة اتِّخاذ الزاد، وأنَّه لاينافي التوكُّل [4]، فقد اتَّخذه سيِّد المتوكِّلين.
قوله: (لِمِثْلِها) أي: الليالي، وتخصيص خديجة رضي الله تعالى عنها بالذكر بعد أن عبَّر بالأهل، يحتمل أنَّه تفسير إبهام، أو إشارة إلى اختصاص التزوُّد بكونه مِن عندها دون غيرها، وفيه أنَّ الانقطاع الدائم ليس مِنَ السُّنَّة.
قوله: (حَتَّى جَاء الحَقُّ) أي: الأمر الحقُّ، وهو الوحي الكريم.
قوله: (فَجَاءَه المَلَكُ) أي: جبريل عليه السلام يوم الاثنين لسبعٍ عشرة ليلةً خلت مِن رمضان، وهو ابن أربعين سنة، (فجاء) تفسيريَّةٌ.
قوله: (مَا أَنَا بِقَارِئْ) قيل: يحمل قوله أوَّلًا «ما أنا بقارئ» على الامتناع، وثانيًا على الإخبار بالنفي المحض، وثالثًا على الاستفهام، ويجوز دخول الباء في الاستفهام عند الأخفش، ويؤيِّده ما رُوِيَ أنَّه قال في الثالثة: «كيف أقرأ؟» وفي رواية: «ماذا أقرأ؟».
قوله: (فَغَطَّنِي) بالغين المعجمة والطاء المهملة؛ أي: ضغطني وعصرني.
قوله: (الجهد) روي فيه فتح الجيم وضمُّها، ونصب الدال ورفعها، ومعناه: الطاقة والغاية والمشقَّة، فعلى الرفع معناه: بلغ الجهدُ مبلغه، فحذف (مبلغه)، وعلى النصب معناه: بلغ الملك منِّي الجهد، واعترض على النصب بأنَّه يصير المعنى حينئذٍ: أنَّه غطَّه حتَّى استفرغ قوَّته في ضغطه، والبنية البشريَّة لا تدَّعي استيفاء القوَّة المَلَكيَّة
ص 23
لاسيَّما في مبدأ الأمر.
وأجيب: بأنَّ جبريل عليه السلام لم يكن على صورته الحقيقيَّة التي تجلَّى بها عند سدرة المنتهى، فيكون استفراغ جهده بحسب صورته التي تجلَّى بها.
قوله: (أَرْسَلَنِي) أي: أطلقني وتركني.
قوله: (فَرَجَعَ بِها) أي: بالآيات أو بالقصَّة إلى أهله.
قوله: (يَرْجُفُ) بضمِّ الجيم؛ أي: يضطرب (فُؤَادُهُ)؛ أي قلبه، والجملة حاليَّة.
قوله: (زَمِّلُونِي) التَّزميل: التَّلفيف، و (الرَّوْع) بفتح الراء: الفزع.
قوله: (وَأَخْبَرَهَا الخَبَر) جملة حاليَّة.
قوله: (ولَقَدْ خَشَيْتُ عَلَى نَفْسِي) أي: الموت مِن شدَّة الرعب، أو يعتيرهم إيَّاه.
قوله: (كلَّا) أي: لا تقل ذلك، أو لا خوف عليك، و (الإخزاء): الإفضاح، و (صلة الرحم) الإحسان إلى الأقارب، على حسب الواصل والموصول إليه، فتارةً يكون بالمال، وتارة بالخدمة، وتارة بالزيارة والسلام وغير ذلك.
قوله: (وتَحْمِل الكَلَّ) بفتح الكاف وتشديد اللام: الثِّقل؛ أي: تعين الضعيف المنقطع، وترفع ما عليه مِنَ الثقل، و (تُكْسِبُ المَعْدُوْم): روي بفتح التاء وضمِّها؛ أي: تكسب غيرك المال المعدوم؛ أي: يعطيه إيَّاه، أو تعطي الفقير المعدوم مالًا، على حذف المفعول الأوَّل والثاني، وقيل: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك مِن مكارم الأخلاق والعلوم.
وفي «تهذيب الأزهريِّ» عن ابن الأعرابيِّ: رجل عديم: لا ثقل له، ومعدوم: لا مال له، كأنَّهم نزَّلوا وجود مَن لا مال [5] له بمنزلة العدم، كذا في «القسطلانيِّ».
(وتَقْرِي الضَّيْفَ): بفتح التاء بلا همزٍ، مضارعٌ قرى الضيف قِرًى؛ بكسر القاف والقصر، وقَراء؛ بفتح القاف والمد، أي: تُهيِّئ له طعامه.
قوله: (عَلَى نَوائِبِ الحَقِّ) جمع (نائبة)، وهي الحادثة مِن خيرٍ أو شرٍّ، وبالإضافة إلى (الحقِّ) يخرج نوائب الباطل؛ أي: الحوادث الواقعة بسبب أمرٍ باطل شرٍّ، كحادثة القصاص بسبب القتل التعمديِّ، ففيه جواز مدح الإنسان في وجهه لمصلحةٍ، وأمَّا حديث: «احثوا التراب في وجوه المدَّاحين»؛ فمحمولٌ على المدح الباطل، أو المؤدِّي إلى باطلٍ؛ كإعجاب النفس.
قوله: (فَانْطَلَقَتْ بِه خَدِيْجَة) أي: انطلقا إلى ورقة؛ لأنَّ الفعل اللازم إذا عدِّي بالباء يلزم منه المصاحبة، بخلاف المعدَّى بالهمزة.
قوله: (وَرَقَةَ) بفتح حروفه، و (نَوفَل) بفتح النون والفاء، و (العزَّى) تأنيث (الأعزِّ) اسم صنمٍ.
قوله: (ابنَ عَمِّ خَدِيْجَة) تكتب بالألف؛ لأنَّه لم يقع بين عَلَمين، وينصب على أنَّه بدلٌ أو نعت لـ (ورقة).
قوله: (تَنَصَّر) أي: صار نصرانيًّا بعد أن كان وثنيًّا، وترك عبادة الأوثان.
قوله: (في الجَاهِلِيَّة) هي المدَّة التي قبل نبوَّة نبيِّنا صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم؛ لِما كانوا عليه مِن فاحش الجهالات.
قوله: (يَكْتُبُ الكِتابَ العبْرانِيَّ) أي: الكتابة العبرانيَّة.
قوله: (بالعِبْرَانِيَّة) متعلِّق بـ (يكتب)، ووقع في (كتاب التفسير) و (التعبير): (العربي) و (بالعربيَّة) بدل (العبرانيِّ) و (العبرانيَّة)، والكلُّ صحيحٌ؛ أي: لأنَّه كان يحسن الكتابة العبرانيَّة، فيكتب مِنَ الإنجيل الذي هو سريانيٌّ على المشهور، تارةً بالعبرانيَّة وتارة بالعربيَّة، وهذا يدلُّ على علمه بالألسن الثلاثة.
قيل: التوراة عبرانيَّة، والإنجيل سريانيَّة، وعن سفيان: ما نزل مِنَ السماء وحيٌ إلَّا بالعبرانيَّة، وكانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تترجمه [6] لقومها، كذا في «القسطلانيِّ»، وإنَّما وصفه بكتابة الإنجيل دون حفظه؛ لأنَّ حفظ التوراة والإنجيل لم يكن ميسَّرًا [7] كتيسير حفظ القرآن.
قوله: (يا بن عَمِّ) قال في
ص 24
«فتح الباري»: هذا النداء على حقيقته، وقع في «مسلمٍ»: «يا عم» وهو وهمٌ؛ لأنَّه وإن كان صحيحًا مجازًا للاحترام؛ كما هو عادة العرب، يخاطب الصَّغير والكبير بـ (يا عم) احترامًا، لكنَّ القصد لم يتعدَّد، مخرجها متَّحد، فلا يجهل عليَّ أنَّها قالت ذلك مرَّتين، فتعيَّن الحمل على الحقيقة، وإنَّما جوَّزنا ذلك فيما مضى في العربيِّ والعبرانيِّ؛ لأنَّه مِن كلام الراوي في وصف ورقة، واختلفت [8] المخارج فأمكن التعدُّد، وهذا الحكم يطَّرد في جميع ما أشبهه.
قوله: (مِنِ ابْنِ أَخِيكَ) يعني: النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم؛ لأنَّ الأب الثالث لورقة هو الأخ للأب الرابع لرسول الله صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم، أو جعلته عمًّا له صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم احترامًا.
قوله: (هَذَا) إشارة إلى المَلَك الذي ذكره النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم في خبره، ونُزِّلَ منزلة القريب؛ لقرب ذكره.
قوله: (النَّامُوْس) معناه: صاحب السِّرِّ، والمراد: جبريل عليه السلام.
قوله: (عَلَى مُوْسَى) لم يقل: (على عيسى) مع كونه نصرانيًّا؛ تحقيقًا للرسالة؛ لأنَّ نزوله على موسى متَّفقٌ عليه، بخلاف عيسى، فإنَّ كثيرًا من اليهود ينكرون نبوَّته.
قوله: (يَا لَيْتَنِي) على حذف المنادى؛ أي: يا محمَّد، أو على أنَّ (يا) حرف تنبيه؛ كـ (ألا) في (أَلَا لَيت شعري).
قوله: (فيها) في أيَّام النبوَّة أو الدعوة.
قوله: (جَذَعًا) خبر لـ (أكون) المقدَّر، أو حال مِن المستكنِّ في خبر (ليت) أعني: فيها، أو خبر (ليت) على أنَّها بمعنى: تمنَّيت، فنصب الجزأين، وروي: <جذع> خبر (ليت)، و (الجَذَع) بفتح الجيم والذال المعجمة: هو الصغير مِنَ البهائم، فاستعير للإنسان الشابِّ القويِّ، يا ليتني أكون شابًّا قويًّا عند ظهور نبوَّتك، حتَّى أبالغ في نصرتك.
قوله: (إِذْ يُخْرِجُكَ) قال ابن مالك: استعمال «إذ» في المستقبل كـ «إذا» صحيحٌ، وغفل عنه أكثر النُّحاة.
وأجيب: بأنَّهم ما غفلوا، بل منعوا وردُّوه [9]، وما جاء على قراءة؛ فهو مجازٌ للتنبيه على تحقُّق الوقوع.
قوله):أوَمُخْرِجِيَّ) بفتح الواو وتشديد الياء، قيل: كان الأصل تقديم الواو على الهمزة، كسائر أدوات الاستفهام؛ نحو: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران:101]؛ لأنَّ أداة الاستفهام جزء مِن جملة الاستفهام المعطوفة، والعاطف لا يتقدَّم عليه جزءٌ مِنَ المعطوف، لكن خصَّت الهمزة بالتقديم.
وقيل: تقدير الكلام: أمُعاديَّ هم ومخرجيَّ هم؛ لأنَّ (أوَمخرجيَّ هم) جواب وردٌّ على قوله: (إذ يخرجك) على سبيل الاستبعاد، فكيف يستقيم العطف؟! ولأنَّ هذه إنشائيَّة، وتلك خبريَّة، وإنَّما استبعد صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم أن يخرجوه؛ لأنَّه لم يكن فيه شيءٌ يقتضي الإخراج؛ لِما فيه مِن مكارم الأخلاق التي تقدَّم مِن خديجة رضي الله تعالى عنها وصفها.
قوله: (إلَّا عُودِيَ) وفي رواية يونس في (التفسير): (إلَّا أوذي)، فذكر ورقة أنَّ العلَّة في ذلك مجيئه لهم بالانتقال عن مألوفهم.
قوله: (مُؤَزَّرًا) اسم مفعول، مِنَ التأزير، مِنَ الأزر وهو القوَّة، أي: قويًّا بليغًا.
قوله: (ثمَّ لم يَنشَب) بفتح الياء والشين المعجمة؛ أي: لم يلبث.
قوله: (أن توفِّي) بدل اشتمال مِن (ورقة)؛ أي: لم تتأخَّر [10] وفاته مِن هذه القصَّة، واعلم أنَّ كلام الشارحين يدلُّ على إيمان ورقة.
قوله: (وفَتَرَ الوَحْيُ) أي: احتبس بعد تتابعه، وتأخَّر مدَّة مِنَ الزمان؛ ليذهب ما كان [11]
ص 25
وجده صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم مِنَ الروع، وليحصل له الشوق إلى العود، ووقع في «تاريخ الإمام أحمد ابن حنبل» عن الشعبيِّ: أنَّ مدَّة فتر الوحي كانت ثلاث سنين، وأنزلت عليه النبوَّة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوَّته إسرافيل ثلاث [12] سنين، وكان يعلِّمه الكلمة والشيء، ولم ينزَّل عليه القرآن على لسانه، فلمَّا مضت ثلاث سنين؛ قرن بنبوَّته جبريل عليه السلام، فنزَّل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة، وفي «فتح الباري»: وليس المراد بفترة الوحي المقدَّرة ثلاث سنين _وهي ما بين نزول ﴿اقرأ﴾ و ﴿يا أيُّها المدَّثِّر﴾ _ عدمُ مجيء جبريل عليه السلام إليه، بل تأخُّر نزول القرآن فقط.
قوله: (قال ابنُ شِهابٍ: وأَخْبَرَني أَبُو سَلَمَة) عطف بحسب المعنى على ما سبق، كأنَّه قال: قال ابن شهاب: أخبرني عروة بكذا، وأخبرني أبو سَلَمة بكذا.
قوله: (وهو يحدِّث) جملةٌ حاليَّة مِن ضمير (قال)؛ أي: قال جابر في حال تحديثه عن احتباس الوحي في حديثه: (بينا)، وفي بعضها: <فقال في حديثه> بزيادة لفظ (فقال)، وفي «الفيض»: هو حالٌ عن مفعول «سمعت» المحذوف، وتقدير الكلام: أنَّ جابر بن عبد الله الأنصاريَّ قال: سمعتُ رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم وهو يحدِّث، فيكون «سمعتُ» مقول «قال»، ويكون قوله: «فقال في حديثه» عطفًا على «سمعت»، وفاعل «يحدِّث» رسولُ الله صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم، كما يفهم مِنَ «المصابيح» وكذا فاعل (فقال).
قوله: (بَيْنَا) أصله (بين) فأُشبِعت الفتحة، ومِنَ الظروف الزمانيَّة اللازمة الإضافة إلى الجملة الاسميَّة، والعامل فيه الجواب إذا كان مجرَّدًا مِن كلمة المفاجأة، وإلَّا فمعنى المفاجأة المتضمِّنة هي إيَّاها، ويحتاج إلى جواب يتمُّ به المعنى، والأفصح في جوابه أن يكون فيه (إذ)، والمعنى: أنَّ في أثناء أوقات المشي فاجأني السماع.
قوله: (فَإِذا المَلَكُ) (إذا) ههنا للمفاجأة، وفاء (فإذا) زائدةٌ لازمةٌ عند الأكثر.
قوله: (جَالِسٌ) بالرفع خبر (المَلَك)، وفي «مسلم»: (جالسًا) بالنصب، وعلى هذا فالخبر محذوفٌ، و (جالس) حالٌ، والتقدير: فإذا الملك الذي جاءني بحراء شاهدًا وحاضرًا حال كونه جالسًا.
قوله: (فرعبت) بضمِّ الراء وكسر العين، وبفتح الراء وضمِّ العين؛ أي: فزعت، والفاء في (فرعبت) وفي (فرجعت) تصلح للسببيَّة؛ لأنَّ رؤية المَلَك على هذه الحالة سبب لرعبه، ورعبه سبب لرجوعه، وفاء (فقلت) وفاء (نزل) على أصلها للتعقيب.
قوله: (زمِّلوني زمِّلوني) في أكثر الأصول مرَّتين، وفي بعضها مرَّةً، وفي رواية يونس في (التفسير): (دثِّروني) وهو أنسب لقوله: فأنزل الله تعالى قوله: (﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾) لفظ (المدَّثِّر) و (المزَّمِّل) و (المتلفِّف) و (المشتمل) بمعنى: (قم)، ﴿فَأَنْذِرْ﴾ أي: حذِّر [مِن] العذاب مَن لا يؤمن بك، و ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أي: عظِّمه ونزِّهه عمَّا لا يليق به، و ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ مِنَ النجاسة، وقيل قصِّرها، ﴿وَالرجْزَ﴾ [المدثر:1 - 5] بكسر الراء وضمِّها لغةً؛ العذاب، والمراد في الآية: الأوثان؛ لأنَّها سببه، وقيل: الشرك، وقيل: زائدة.
قوله: (فحَمِي) بفتح المهملة وكسر الميم؛ أي: كثر نزوله، مِن حميت الشمسُ إذا كثر حرارتها.
قوله: (وتَتَابَعَ) وروي: <وتواتر>، هما بمعنى: استمرَّ ولم ينقطع، وإنَّما لم يكتف بـ (حَمِيَ) لأنَّه لا يستلزم الاستمرار، واعلم أنَّ مذهب الجمهور: أنَّ أوَّل ما نزل هو (اقرأ) ولأنَّ نزول (سورة المدَّثِّر)
ص 26
بعد فترة الوحي، وبعد نزول (اقرا) كما صرَّح به في مواضع مِن هذا الحديث في قوله وهو يحدِّث عن فترة الوحي إلى فأنزل الله تعالى ﴿يا أيُّها المدَّثِّر﴾ وفي قوله: (فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ) وفي قوله (فحمي الوحي) أي: بعد فترته، وقيل أوَّل ما نزل مِنَ القرآن الفاتحة، وقيل: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّر﴾ وقال في «الفيض» في وجه التوفيق بين هذه الأقوال: أنَّه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنَّ جبريل عليه السلام قد جاء على حراء بمنشور مِن حريرٍ مرصَّعٍ، وقال للنبيِّ صلَّى الله عليه وآله وصحبه وسلَّم: اقرأ ما كتب في هذه المنشور، فقال صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم: «ما أنا بقارئ» فيجوز أن يكون (الفاتحة) و (المدَّثِّر) و (المزَّمِّل) و (اقرأ) مكتوبة في ذلك المنشور، فيكون نزول جميع تلك السور معًا، فيصحُّ إطلاق الأوَّليَّة على كلِّ واحدة [13] مِن هذه السور الأربع.
أقول: في صحَّة إطلاق الأوَّليَّة على كلِّ واحد على الإطلاق نظرٌ، نعم يصحُّ إطلاقها بالإضافة إلى غير تلك الأربعة، أو بمعنى عدم المسبوقيَّة بغيره.
قوله: (تابَعَهُ) أي: تابع يحيى بن بكير عبدَ الله بن يوسف؛ يعني: أنَّ البخاريَّ مع هذا الحديث بهذا الإسناد عن يحيى، ثمَّ ثبت عنده بذلك الإسناد أيضًا عن عبد الله، وكذا عن أبي صالحٍ.
قوله: (وتابَعَه هِلَالٌ) الضمير المنصوب في (تابعه) عائد إلى عقيل شيخ الليث، والزهريِّ عن ابن شهاب وردَّاد؛ بدالين مهملتين الأولى مشدَّدة، ومَعْمَر بفتح الميمين وسكون العين، والمتابعة: أن يوجد لراوي الحديث راوٍ آخر موافق له، ويسمَّى الآخر المتابِع _بكسر الموحَّدة_؛ أي: الموافق له، ويسمَّى الآخر المتابِع _بكسر الموحَّدة_؛ أي: الموافق، فذلك الراوي الآخر إن وافق الراوي الأوَّل مِن أوَّل الإسناد [14] إلى آخره فالمتابعة تامَّة، كمتابعة عبد الله وأبي صالحٍ؛ إذ هما وافقا ابن بكير في شيخه الليث إلى آخره، وإن وافقه لا مِن الأوَّل فالمتابعة ناقصة، كمتابعة هلال، فإنَّه وافقه في شيخ شيخه، وأيضًا المتابعة إمَّا بدون ذكر المتابَع كما في الأولى،؛ فإنَّه لم يذكر أنَّه تابعه عن الليث، وإمَّا بذكره؛ كما في الثانية حيث قال: تابعه عنِ الزهريِّ، وهذا أهون نوعي المتابعة؛ إذ يعلم منه أنَّ هلالًا تابع الراوي عن الزهريِّ، وهو عقيل، بخلاف الأوَّل؛ إذ لا يعرف لِمَن المتابعة إلَّا مَن يعرف طبقات الرواة ومراتبهم، وفائدة المتابعة التقوية، ولهذا يقع برواية مَن لا يحتجُّ بحديثه منفردًا.
قوله: (بَوَادِرَهُ) جمع (بادرة)، وهي اللحمة التي بين المنكب والعنق، تضطرب [15] عند فزع الإنسان.
والحاصل: أنَّ أصحاب الزهريِّ اختلفوا في هذه اللفظة، وهم متَّفقون في رواية باقي الحديث، فروى عنه عقيل: (يرجف فؤاده)، وتابعه في ذلك هلال، وروى عنه يونس ومعمر: (يرجف بوادره).
[1] في الأصل: (يختص).
[2] في الأصل: (يطلق).
[3] في الأصل: (وكان).
[4] في الأصل: (التكل).
[5] في الأصل: (بال).
[6] في الأصل: (يترجمه).
[7] في الأصل: (ميسَّر).
[8] في الأصل: (واختلف).
[9] في الأصل: (وروده).
[10] في الأصل: (يتأخر).
[11] (ليذهب ما كان): تكرر في الأصل.
[12] في الأصل: (ثلاثة).
[13] في الأصل: (واحد).
[14] في الأصل: (الإستناد).
[15] في الأصل: (يضطرب).