تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتثقيف، ولكنّها كانت بيئة فطريّة نقيّة في كثير من جوانبها، ولم تعرف من الأمانة إلاّ جزئيّات متناثرة، ولم تعرفها كلاًّ لا يقبل التجزيء والتبعيض إلاّ في حياة محمّد - صلى الله عليه وسلم - وسلوكه، ولولا فقد بيئته لهذه الصفة، واجتماع حقائقها، وتآلف معانيها فيه لما أجمع قومه على وصفه بها، ولما كان في ذلك كبير فائدة، أو مزيد مزيّة.

ـ والزاوية الأخرى: أن هذه الشهادة من قريش كانت عن مرحلة تعدّ أخطر المراحل التي يمرّ بها الشاب، وهي مرحلة اكتمال الرجولة، واتّقاد الغرائز، وهي مرحلة تختلف فيها الأغراض والغايات وتضطرب، وتتناكر النوازع والاتّجاهات وتحترب، وفي الشابّ في تلك المرحلة من موفور القوّة وقوّة الغريزة ما يجعله يندفع وراء تحقيقها إلى أقصى المدى، متوارياً من عادات قومه، وأعراف بيئته حيناً، أو متجاوزاً متحدّياً حيناً آخر .. ومع ذلك كلّه فقد بقي هذا اللقب يصحب محمّداً - صلى الله عليه وسلم -، ويطبع شخصيّته طيلة حياته قبل البعثة، ولم تعرف عنه قريش ما يخرم هذه الأمانة أو يشذّ عنها، فمن ثمّ لم تستطع قريش أن تنزع هذا اللقب عن محمّد - صلى الله عليه وسلم - بعد رسالته، كما أنها لم تستطع أن تمنحه أحداً من زعمائها، حتى أولئك الذين كانوا محلّ إجماعها، وكانت تأتمر بأمرهم، وتصدر عن رأيهم، وتظهر لهم مزيد التقدير والاحترام.

فهل أنطق الله تعالى قريشاً بما قالت، ليكون من قولها حجّة ساطعة لمن يقول بعصمة الأنبياء قبل النبوّة وبعدها؟ ولتكون تلك الحجّة على لسان المخالف المعادي أبلغ في الشهادة وألزم، وأقوم في البيّنة وأحكم، وأدنى ألا يرتاب المرتابون.؟

ثمّ إن هذه الشهادة من قريش تدلّ على أن الأمانة التي عرفتها قريش في شخصيّته - صلى الله عليه وسلم -، كانت خلقاً أصيلاً نابعاً من فطرته، التي فطره الله عليها،

نبي الهدى والرحمة صلى الله عليه وسلم · الصفحة ٣٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

نبي الهدى والرحمة صلى الله عليه وسلمص ٣٦٥