الأهواء، وتفرّق من الملل، ما بينَ مشبّهٍ لله بخلقه، وملحدٍ في اسمه، ومشير إلى غيره، كفر بواح، وشرك صراح، وفساد عامّ، وانتهاب للأموال والأرواح، واغتصاب للحقوق، وشنّ للغارات، ووأد للبنات، وأكل للدماء والميتات، وقطع للأرحَام، وإعلان بالسفاح، وتحريف للكتب المنزّلة، واعتقاد لأضاليْل المتكهّنة، وتأليه للأحبار والرهبان، وسيطرة من جبابرة الجور، وزعماء الفتن وقادة الغرور، ظلمات بعضها فوق بعض، وطامّات طبّقت أكناف الأرض، استمرّت الأمم على هذه الحال الأجيال الطوال، حتّى دعا داعي الفلاح، وأذن الله تعالى بالإصلاح، فأحدث بعد ذلك أمراً، وجعل بعد عسرٍ يسراً، فإنّ النوائب إذا تناهت انتهت، وإذا توالت تَولّت، وذلك أنّ الله تعالى أرسل إلى البشر رسولاً ليعتقهم من أسر الأوثان، ويخرجهم من ظلمة الكفر، وعمى التقليد إلى نور الإيمان، وينقذهم من الإثم والعار، ويرفع عنهم الآصار، ويطهّرهم من مساوئ الأخلاق والأعمال، ويرشدهم إلى صراط الحقّ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾ الأنبياء " (1).
فهذا البيان البليغ قدّم مظاهرَ وأنواعاً لرحمة العالمين، ممَّا كانوا عليه من جاهليّة وشرّ، وهو - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين ممّا كان، وما يكونُ إلى يوم القيامة ..
وممّا يدلّ على أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أرسل رحمة عامّة للعالمين إنسهم وجنّهم، مؤمنهم وكافرهم، وأنّه - صلى الله عليه وسلم - جُبِلَ على رحمة العالم كلّه ما جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ عَلَى المُشْرِكِينَ، قَالَ: (إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّاناً، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً) (2).
(1) ـ 11 298.
(2) ـ رواه مسلم في كتاب البرّ والصلة والآداب برقم 4704.