حتّى كانت سبباً لدخول كثير منهم في الإسلام .. وغير ذلك أكثر من أن يحصى ..
وممّا يدلّ على كمال عقله - صلى الله عليه وسلم -، ورجحانه على سائر العقول: ما هداه الله إليه من حلّ حكيم عندما اختلفت قريش في بناء الكعبة، فيمن يذهب بشرف وضع الحجر الأسود مكانه، حتّى كادت الحرب أن تقع بينهم، وقرّب بنو عبد الدار جفنة مملوءةً دماً، ثمّ تعاقدوا هم وبنو عديّ بن كعب بن لؤيّ على الموت، وأدخلوا أيديهم في تلك الجفنة، واستمرّوا على ذلك أربع ليالٍ أو خمساً، ثمّ ألهم الله تعالى أحد عقلائهم، وهو أبو أميّة بن المغيرة المخزوميّ، والد السيّدة أم سلمة رضي الله عنها، وكان يومها أسنّ رجل في قريش، فقال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أوّل من يدخل من باب هذا المسجد، فرضوا وقبلوا، وأشخصوا أبصارهم إلى باب المسجد، فكان محمدّ بن عبد الله أوّل داخل، فعندما رأوه قالوا: " هذا الأمين! رضينا به .. رضينا به .. "، لقد أرسلته يد العناية الإلهيّة فكان قدر الحقّ المبين، لينقذ قريشاً من هذا الشرّ المستطير ..
فلمّا أخبروه بالأمر لم يلبث أن بسط رداءه، ثمّ أخذ الحجر فوضعه عليه، ثمّ قال: لتأخذ كلّ قبيلة بطرف، فرفعوه جميعاً، حتّى بلغوا مستَوى وضعه، فأخذه - صلى الله عليه وسلم - بيديه الشريفتين، ووضعه مكانه، وبهذا الحلّ الحكيم وقى الله قريشاً شرّ الحرب والاقتتال، وازدادت قريش تقديراً للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - واحتراماً .. إنّه صاحبُ العقل الحصيف الكامل، الذي هيّأه الله تبارك وتعالى ليقود البشريّة إلى طريق الحقّ والعدل والسلام، بعيداً عن الإفساد في الأرض وسفك الدماء. وإنّ هذه الحادثة لتعدّ إرهاصاً وبشرى بما قدّره الله للإنسانيّة من الهداية والرشاد ببعثته ورسالته ..