بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (35) (ص)، وهو تعالى «الوهاب»، كقوله: (يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ) (49) (الشورى). والهبة في الاصطلاح تمليك مال في الحال بلا عوض، فخرج «بالتمليك» الوقف لأنه ليس تمليكا. وخرجت «بالمال» العارية، لأنها تمليك منفعة، وخرجت الوصية بقوله «فى الحال»، لأنها تمليك بعد الموت، وخرج البيع بقوله «بلا عوض»، لأن الهبة تمليك بعوض. والهبة يجوز أن تكون معوضة وغير معوضة، فيهب شخص شيئا لآخر بشرط أن يقوم له بالتزام معين مشروع. وتشترك الهبة مع الصدقة في أن كلا منهما تمليك بلا عوض، وتختلف عنها في أن الصدقة بنية التقرّب إلى الله، وليس هذا الشرط في الهبة؛ وتلزم الصدقة بالقبض، ولا يجوز الرجوع فيها، وتجوز الصدقة على الجميع، وتقبل من الصبي؛ وأما الهبة فشرطها: الإيجاب من الواهب، والقبول من الموهوب له، وأن يكونا عاقلين بالغين مختارين، فلا تصحّ من قاصر، ولا مكره، ولا المحجور عليه لسفه أو فلس؛ وتصحّ للوصى والولي لمصلحة القاصر، ولا تصحّ هبة ما سيوجد، ولا تنعقد إلا بقبض الشيء الموهوب، ويجوز أن يكون عينا، أو جزءا مشاعا من عين، وتصح هبة الدين في ذمة الموهوب له وتفيد الإبراء منه، ولا تصحّ هبته لغير من هو عليه، لأن القبض شرط في الهبة. وتلزم هبة الأقارب، وارثا كان أو غير وإرث، بمجرد القبض، ولا يجوز الرجوع فيها، ما عدا الوالد والوالدة فيما يعطيان ولديهما، وروى لا يجوز لهما الرجوع، والرجوع فيها أن يقول قد رجعت فيها أو ارتجعتها؛ ولا يلزم القبض في هبة أحد الزوجين للآخر، ويجوز لكل منهما الرجوع فيها، وإذا مات الواهب أو الموهوب قبل القبض بطلت الهبة، لأنها لا تنعقد إلا به. والقبض فيما ينقل بالنقل، وفيما لا ينقل بالتخلية بينه وبين الموهوب له؛ ولا تصحّ الهبة، فيما لا يمكن تسليمه، كالسمك في الماء؛ ولا تصحّ إن شرط فيها بشرط ينافي مقتضاها، كأن يقال: وهبتك هذا الشيء على أن لا تبيعه، وكذلك إن علّقت على شرط، فحينئذ تصبح وعدا وليست هبة؛ وللزوجة أن تهب نفقتها الواجبة على زوجها.
* * *
2323 - الهدية
الهدية كالبيوع، وهي تمليك في الحياة ولكن بغير عوض، للتقرّب إلى المهدي إليه وإظهار المحبة له، كقوله تعالى عن ملكة سبأ: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ) (36) (النمل)، وفي الآية دليل على إمكان ردّ الهدية، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها ولا يقبل الصدقة. وتجتمع في العطيّة معاني الهبة، والصدقة، والهدية،
1179