عنهم في التاريخ الاقتصادى في أمريكا وأوروبا، وكانوا يسمونهم «العبيد» أيضا كما جاء عنهم في كتب التاريخ، وكما روت عنهم التوراة والأناجيل والرسائل النصرانية، وبين اصطلاح «ملك اليمين» في القرآن والإسلام، فالأول - أي اصطلاح «العمال» - اصطلاح اقتصادى واجتماعي، والثاني - أي «ملك اليمين» - اصطلاح ديني أخلاقى. ثم انظر إلى اصطلاح «الرقيق» الإسلامي بمعنى العبيد أو المماليك، وابحث كيفما شئت في كافة اللغات، فلن تجد له مثيلا ولا ضريبا، ولا في التوراة والأناجيل، والرقيق من رقّ ضد غلظ وثخن، تقول رقيق الحال يعني فقيرا، ومنه رقاقة الخبز المنبسطة، والرقّة هي الرحمة، ورقّ وجهه استحيا، ورقّ قلبه أي حنّ، فكما ترى أن العربية لغة عبقرية، ولذلك جاء القرآن بما هو معروف عن لغته هذه الجميلة، ودلّت اللغة العربية كما يعرضها القرآن، على الروح العربية، على عظمة أهلها ورفعة أخلاقهم، والحمد لله ربّ العالمين.
* * *
2173 - السّخرة في القرآن تبادل للمنافع وليست استعبادا للناس
اصطلاح القرآن لتقسيم العمل هو السّخرة، وهي في اللغة استعباد للعامل، فقناة السويس شقّت بالسخرة، أي لم يكن العمال يحصلون على أجور لقاء عملهم، وفي القرآن: (نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (32) (الزخرف)، يعني أن الله قضى بقسمة العمل divison of labour بين الناس، بحيث يحتاج كل إنسان إلى آخرين يقدمون له مختلف الخدمات، ويبيعونه ما يحتاج من أدوات وسلع، فلا يستغنى أحدهم عن غيره، وكلّ يعمل في اختصاصه، وبحسب وسعه، ويتبادل والآخرين المنافع، وهذا هو المعنى الجديد الذي يقدّمه القرآن للسخرة. وكان التقسيم الطبيعي للعمل وفق الجنس والسن، فالرجال اختصوا بالقنص لأنهم أشداء، وكبار السن وكل إليهم صيد البر والبحر، والنساء كان من نصيبهن تربية الصغار وجنى الثمار وجمع المحاصيل. ولمّا اكتشفت المعادن جرى التقسيم الثاني للعمل فاشتغل النساء بالحقول، والرجال بتشييد المبانى وأعمال التعدين، وانفصلت الحرف عن الزراعة. ثم ظهرت الصناعات اليدوية وجرى معها التقسيم الثالث للعمل، وصار هناك آلات وعمّال مدربون يعملون جماعات عليها، وانفصل العمل الذهنى عن العمل اليدوى، وتولّدت طبقة جديدة هي طبقة التجار والصيارفة، واستوجب الأمر لاستمرار التطور أن تقوم المدن الصناعية والطرق التجارية، وأن يتبادل الناس الخدمات على أوسع نطاق ضمن عقد اجتماعي يضمن للجميع حكومة تحافظ على الأمن وتؤصّل للسلام
1066