يقاتل من يقاتله ويكفّ عمّن كفّ عنه. والمسلم أصلا لا يعتدى، ولكن إذا قوتل وأخرج من دياره وحورب في دينه ومنع من القيام به، فله أن يقاتل، وقوله «الّذين يقاتلونكم» هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همّتهم قتال الإسلام وأهله، أي كما يقاتلونكم فقاتلوهم كقوله تعالى: (فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) (191) (البقرة)، وقوله: (اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) (191) (البقرة)، يعني إلى أن يخرجوا مما استولوا عليه من دوركم وأراضيكم. ولا خلاف أن القتال كان محظورا قبل الهجرة بقوله: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (34) (فصلت)، وقوله: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ) (13) (المائدة)، وقوله: (وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً) (10) (المزمل)، وقوله: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) (22) (الغاشية)، فلما هاجر المسلمون إلى المدينة إخراجا من ديارهم، أمروا بالقتال لأول مرة. وروى عن أبي بكر الصدّيق: أن أول آية نزلت في القتال قوله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) (39) (الحج)، والأصحّ أن أول آية في القتال هي الآية: (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ) (190) (البقرة).
* * *
1530 - آية السيف المزعومة في القرآن
قيل هي الآية: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (5) (التوبة)، اطلقوا عليها هذا الاسم، وقالوا: إنها نسخت كل عهد بين النبيّ صلى الله عليه وسلم وبين أحد من المشركين، وكل عقد، وكل مدة، وقال ابن عباس في هذه الآية: أمره الله تعالى أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام، وأن ينقض ما كان سمّى لهم من العهد والميثاق. والمفسرون على اختلاف في هذه الآية التي قالوا فيها إنها آية السيف، فأولا الآية ليست مطلقة فيقتل المسلمون كل سكان العالم من غير المسلمين، فهذا جنون لو أخذنا بهذا التفسير، وإنما الآية نزلت في أهل مكة الذين نقضوا العهد ومالئوا بنى بكر حلفاءهم، على خزاعة أحلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلوهم في الحرم، فعندئذ غزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان سنة ثمان، ففتح مكة ومكّنه من نواصيهم، فأطلق من أسلم منهم بعد القهر والغلبة عليهم، فسمّوا الطلقاء، وكانوا قريبا من ألفين، ومن استمر على كفره وفرّ، بعث إليه بالأمان والإذن بالتسيير لأربعة أشهر يذهب فيها حيث يشاء، ومنهم صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وغيرهما. ولم يصدر الأمر بالقتل اعتباطا وإنما لأنهم قوم لا أمان
636