تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لهم، كقوله تعالى: (وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ) (8) (التوبة)، وقال فيهم: (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) (10) (التوبة)، واشترط لقتالهم شرطين: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) (12) (التوبة)، فقصر القتال أولا مع الأئمة منهم، أي الزعماء الكبار، كأبى جهل، وعتبة، وشيبة، وأمية بن خلف وأضرابهم. وعدّد مبررات قتالهم فقال: (أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) (13) (التوبة) فهذه ثلاث مبررات مادية، ثم هناك المبررات المعنوية: (قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ) (15) (التوبة)، وفي حالة مشركى مكة فإن هناك المبرر القوى لقتالهم وهو تخليص المسجد الحرام من أيديهم، لأنهم كقوله تعالى: (نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا) (28) (التوبة) فهذه هي آية السيف إذن، وهي خاصة بأحداث معينة، والملاحظ أنه بعد نزول هذه الآية ما استحرّ قتال، وكان دخول المسلمين مكة بلا قتال ونودى بالعفو عن أهلها. ولم يكن الإسلام دين عدوانى، وهو الذي يدعو بالموعظة، واسمه الإسلام من السلام، ولو شاء الله ورسوله أن يكرهوا الناس على الإسلام لأنزل الله من السماء آية: (فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ) (4) (الشعراء)، غير أن إيمان المكره لا نفع فيه، كقوله: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا) (58) (غافر)، وقوله: (لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) (158) (الأنعام)، وفي القرآن قد يكره المؤمن على الكفر، كقوله: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) (107) (النحل)، فما ذا لو حدث العكس وأكره الكافر على الإسلام وقلبه مطمئن بالكفر؟ والناس قد تنطق الشهادتين نجاة بأنفسهم، وتؤمن باللسان وتوافق المسلمين لفظا، وقلوبهم تأبى ما يقولون، وهم مطمئنون بالكفر، فهل ذلك مطلب الإسلام: أن يكون هناك مسلمون اسما؟ والأصل في طبقة المنافقين - سواء في اليهودية أو في النصرانية أو الإسلام - هو هؤلاء الذين يتهوّدون أن يتنصّرون أو يسلمون رياء. والقرآن بنصّه وروحه ضد الإقرار بالإسلام بلا إيمان، والإيمان ما وقر في القلب وصدقه اللسان. والحق أن الذي ارتبطت دعوته بالسيف هو موسى، ويشوع، وطالوت، وداود، وسليمان؛ وللمسيح قول صريح في الدعوة بالسيف، قال: «لا تظنوا أنى جئت لألقى على الأرض سلاما. لم آت لألقى على الأرض سلاما ولكن سيفا» (متى 10/ 34).

* * *

1531 - الإذن في القتال

تبيّن الآية: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (39) (الحج) الآية الأخرى: (إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) (38) (الحج)، أي يدفع عنهم غوائل الأعداء، بأن

637

موسوعة القرآن العظيم · الصفحة ١٩١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة القرآن العظيمص ١٩١٨