تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذه إذن هي الحرب التي قالوا فيها إن الإسلام انتشر بسبب عدوانيته، وأنه دين يقوم على السيف. وقد نزلت الآيات تعتب على المسلمين تخلّفهم عن الحرب: (ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ) (38) (التوبة)، فما كانوا يسعون حثيثا إذا دعوا إلى الجهاد، وكانوا يتكاسلون ويميلون إلى المقام في الدعة والخفض، فأنذرهم: (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ) (39) (التوبة)، فلم يكن المسلمون من أهل العدوان، ونبّه القرآن لذلك فقال: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) (البقرة 216). وحبّ المسلمين للسلام من أركان دينهم بقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) (البقرة 208)، وكانوا كلما أوقدت نار الحرب، يستحبون أن يتمثّلوا بهذه الأبيات لعمرو بن معديكرب:

الحرب أول ما تكون فتيّة ... تسعى بزينتها لكل جهول

حتى إذا اشتعلت وشبّ ضرامها ... ولّت عجوزا غير ذات حليل

شمطاء ينكر لونها وتغيّرت…مكروهة للشّمّ والتقبيل

والمعنى أن الحرب في أول أحوالها ووقت وقوعها، فتيّة، تزيّن لمن لم يجربها، حتى يدخل فيها فتهلكه، ويصعب الخروج منها ولا تنتهي إلا بعد لأى، فتكون كالعجوز الشمطاء بعد أن كانت في أولها فتية أو صبية. وقوله «ينكر لونها» أي يبدّل حسنها بقبح؛ وفي قوله «شمطاء ينكر لونها، ومكروهة للشم والتقبيل»: يصف فاها بالنتن مبالغة في التنفير منها. والمراد بهذه الأبيات التمثّل بها استحضارا لما يشاهده المسلمون ويسمعون به من أحوال الحروب، فإنهم بإنشادها كانوا يتذاكرون أهوالها فيصدّهم تذاكرها عن الدخول فيها، فلا يغتروا بظاهر أمرها أولا.

* * *

1523 - الجهاد لا يكون إلا في سبيل الله

«فى سبيل الله» مصطلح قرآني يتكرر نحو 67 مرة، كقوله تعالى: (فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ) (آل عمران 13). والناس في التصنيف القرآني إما مؤمنون وإما كافرون، والمؤمنون قتالهم في سبيل الله، والكافرون قتالهم في سبيل الطاغوت، فنقيض «فى سبيل الله»، هو «فى سبيل الطاغوت»، كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) (النساء 76). والسبيل في اللغة هو الطريق أو ما وضح منها، و «فى سبيل الله»: هو كل ما أمر به الله تعالى من الخير، كالجهاد، والغزو، وطلب العلم، والإنفاق في وجوه الخير إلخ، يفعله المؤمن طلبا لرضا الله تعالى ومن أجل ثوابه، كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ

629

موسوعة القرآن العظيم · الصفحة ١٩١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة القرآن العظيمص ١٩١٠