آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) (72) (الأنفال) فهؤلاء جميعا إخوة يناصرون بعضهم البعض، وهم المؤمنون حقا، كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) (74) (الأنفال)، وسبيل هؤلاء في المصطلح القرآني هو «سبيل المؤمنين»، كقوله: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى) (النساء 115)، والمؤمنون أعظم درجة عند الله، وهم الفائزون، كقوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ) (20) (التوبة)، والجهاد في سبيل الله بالنفس والمال من أعظم الدرجات. ويعطى الغزاة والمرابطون من الزكاة حتى لو كانوا أغنياء، كما يعطى الحجّاج والعمّار، والحج والعمرة في سبيل الله، وأفضل الزكاة ما كان لهؤلاء، لأنهم وفد الرحمن جاءوا في سبيل الله. ويعطى المغازي من الصدقة، في السلاح، وما يحتاج إليه من آلة الحرب، وكفّ العدو عن الحوزة، لأنه جميعه في سبيل الله وإعلاء كلمة الله. وقيل تحلّ الصدقة لغاز في سبيل الله قد احتاج في غزوته وغاب عنه غناؤه ووفره، كقوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ) (60) (التوبة). والنّفر كذلك كالغزو - لا يكون إلا في سبيل الله، ولا يكون لغير الله، وهو في اللغة: التنقّل بسرعة من مكان إلى مكان لحادث جلل، فيقال نفر إلى الأمر، وقوم نفور، وفي الاصطلاح النّفر: تلبية داعى الجهاد بالنفس والمال كقوله تعالى: (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً) (39) (التوبة)، والعذاب الأليم هو استيلاء العدو على أرض الوطن وطردهم منها، والنفير فرض كفاية، كقوله: (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) (122) (التوبة)، والمراد بالآية: وجوب النفير على وجه «الاستدعاء» في سبيل الله، عند الحاجة وظهور الأعداء واشتداد شوكتهم. وكانت الآية: (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (190) (البقرة): أول ما نزل في الأمر بالقتال في سبيل الله، كما كانت الآية: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (195) (البقرة): أول ما نزل في الإنفاق في سبيل الله في الجهاد، وأن لا يتركوا ذلك أبدا، وفي ترك الجهاد والإنفاق عليه هلاك وأى هلاك، ويسميه الله تعالى: «الإلقاء باليد إلى التهلكة»، والآية نزلت تحضّ على هذا الإنفاق، وفي الحديث: «الجهاد رهبانية الإسلام»، ورهبان الإسلام إذن: هم الذين أوقفوا أنفسهم على البذل في سبيل الله، والجهاد بالنفس والمال، والاصطلاح القرآني لذلك هو: «الإحصار في سبيل الله»، كقوله تعالى: (الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) (273) (البقرة): وهو أن يحبس المؤمن
630