أن يرتكبوا في الحرب أية خيانة أو غدر، وفي الحديث: «ينصب للغادر لواء بقدر غدرته»، يعني يفتضح أمره. ودفاعه تعالى عن المسلمين بأن يسلّط الفجّار على الفاجر، والبغاة والطغاة على المعتدى، ويسلّط عليهم من أنفسهم، ثم إنه تعالى ينصف المسلمين ليتمكن الإيمان من القلوب، لو اشتد العدو في إلحاق الظلم بهم كما يحدث الآن من اليهود والأمريكان، فإن الله يعصم المسلمين حتى لا يرتدّوا بقلوبهم، أو أنه تعالى يدفع عن المؤمنين بأن يقبضهم إلى رحمته. وقد أذن الله لكل المسلمين إن قوتلوا أن يقاتلوا فقال: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (39) (الحج)، وقيل إن هذه الآية هي أول آية نزلت في القتال للتشريع للحرب الدفاعية، فأن يقاتل الباغى من الشرع. لأن معنى «أذن» أبيح. وفي الآية: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) (40) (الحج) فلأننا مسلمون، يخرجوننا من فلسطين، والشيشان، وكوسوفا، والبوسنة والهرسك، وجنوب السودان، ولولا إسلامنا ربما ما كانوا أخرجونا. وقبل بيعة العقبة لم يكن المسلمون مأذونين بردّ القتال، وإنما أمروا بالدعاء إلى الله، والصبر على الأذى، والصفح عن الجاهل، وظل ذلك مدة عشرة أعوام طويلة؛ فقامت على المعتدين حجة الله، فلما عتوا أذن بالقتال والامتناع والانتصار من الظلمة. وقوله (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ) هو هذا القتال، أي لولا القتال والجهاد لصارت الغلبة للظلم في كل أمّة وفي العالم قاطبة. ويكذب المستشرقون عند ما يتهمون الإسلام بأنه دين قتال، ويستبشعون الجهاد كركن من أركان الإسلام، ودعواهم تتنافى مع تواريخهم، وتناقض مذاهبهم في الاستعلاء العنصري والحضارى، ولولا أن الله شرّع الحرب الدفاعية والثورات الأممية، والانتفاضات الاجتماعية، لهدّمت المعابد والكنائس من قديم الأزمان، ولما كانت يهودية ولا نصرانية، ولا كانت أمم وشعوب أصلا، ولولا أنه دفع قوما بقوم لساد الظلم وعمّ الفساد، وهو تعالى يدفع ظلم الظلمة بعدل هيئات كالهيئات الدولية، وبالتوجّهات الحضارية لأهل الحكمة وأولى النهي والألباب، وكفاح الصالحين في كل الأمم، والآية تتضمن مدفوعا من الناس، ومدفوعا عنه، والظلمة هم الأولون، بينما المضطهدون، والمستعمرون، والمسحوقون، والفقراء - هم الآخرون. ونفهم من الآية: أن المسلمين ممنوعون من هدم الكنائس والبيع والصوامع، وحتى بيوت الأوثان عند البوذيين والهندوس، على عكس ما يفعل هؤلاء بنا في كل مكان، ولم يحدث أن نقض المسلمون بيتا من بيوت العبادة لهم، وإنما جرت مجرى بيوتهم وأموالهم التي عاهدوا عليها في الصيانة. وفي الآية قدّمت بيوت الله لغير المسلمين على مساجد المسلمين.
628