تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى «الفتنة أشد من القتل»: أن الفتنة مطلقا هي الظلم، فأن يظلموكم لجرم أشد من جرم القتل، ومع ذلك فأنتم لا تقتلونهم عدوانا، وإنما منعا لعدوانهم، وحتى في المساجد والأماكن المقدسة، لو بدءوكم بالقتال فقاتلوهم دفعا للمفاسد، والنبيّ صلى الله عليه وسلم بايعه أصحابه على القتال يوم الحديبية تحت الشجرة دفعا لشرّ الحروب التي شنّها المشركون واليهود عليه، فلمّا كفّوا كفّ عنهم: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ) (24) (الفتح)، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين، يعني أن قتال المسلمين هو عن حق مغتصب، أو لردّ عدوان سافر، والمسلم لا يقاتل إلا من يقاتله، كقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) (194) (البقرة)، وقوله: (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) (40) (الشورى)، وقوله: (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ) (126) (النحل). وفرق بين من يقاتل حتى لا تكون فتنة كما في الآية، وبين الذي يقاتل لتكون فتنة! والخلاصة: أن الحرب المشروعة في الإسلام - كما ورد عنها في القرآن - هي الحرب الدفاعية ضد المعتدى، وتعريف المعتدى أنه: الذي يخرج المسلمين من ديارهم وأرضهم، أو يمنعهم من إقامة شعائر الله، أو يعتدى على أعراضهم وأموالهم، أو يشنّع عليهم ويكيد لهم ويوقع بينهم وبين غيرهم الخصومات والفتن والعداوات، فهذه كلها أعمال عدوانية تستوجب الردّ عليها بمثلها، وليس أفضل من السياسة أولا لتفريق شمل العدو، وكسر وحدتهم، وتشتيت كلمتهم، وتوهين عزمهم، ودفعهم إلى أن يحارب بعضهم البعض، والله يقول: (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) (251) (البقرة)، ويقول: (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ) (40) (الحج)، والدفع والدفاع واحد، والله يقيّض الفاجر ليحدّ من غلواء الفاجر، ويوعز للباغى أن يبغى على الباغى مثله، وهذا هو دفعه تعالى الناس ليخلصوا الأبرار من الفجار، وفي الحديث: «إن لله ملائكة (يعني قوى) تنادى كل يوم: لولا عباد ركّع، وأطفال رضّع، وبهائم رتّع لصبّ عليكم العذاب صبّا»، وفي رواية أخرى: «لولا فيكم رجال خشّع، وبهائم رتّع، وصبيان رضّع، لصبّ العذاب على المؤمنين صبّا»، وأخذ بعضهم هذا المعنى فقال:

لولا عباد للإله ركّع ... وصبية من اليتامى رضّع

ومهملات في الصلاة رتّع ... صبّ عليكم العذاب الأوجع

ولما أوذي المسلمون نزلت الآية: (إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) (38) (الحج) فكانت وعدا من الله بالمدافعة عن المسلمين، وتضمّنت أفصح النهي عن

627

موسوعة القرآن العظيم · الصفحة ١٩٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة القرآن العظيمص ١٩٠٨