تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكل برّ تقوى، وكل تقوى برّ، والبرّ يتناول الواجب والمندوب إليه، والتقوى رعاية الواجب، وفي التقوى رضا الله، وفي البرّ رضى الناس، وبالجمع بين الاثنين تتم السعادة وتعمّ النعمة. والعالم عند ما يتعاون على البرّ فبعلمه، والغنيّ بماله، والقويّ بقوته، ليكون المسلمون جميعا متظاهرين كاليد الواحدة كقوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم». والمعتدى من المسلمين لا ينصر، ويردّ عما هو عليه، ويعرض عنه.

* * *

1518 - واجب المسلم الصلح بين الناس

الصلح نقيض الخصام، والصلح هو السلم، وهو اسم من المصالحة، فيقال: هم لنا صلح أي مصالحون؛ وعند أرباب السياسة الصلح هو رفع الحرب على شروط تعرف بشروط الصلح. وقوله تعالى: (الصُّلْحُ خَيْرٌ) (128) (النساء) عام مطلق يقتضى الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف، وهو خير على الإطلاق.

والصلح أقسام: منها صلح المسلم مع الكافر، والصلح بين الزوجين، والصلح بين الفئة الباغية والعادلة، والصلح في المعاملات كالعفو على المال، والصلح لقطع الخصومات القضائية. وقوله تعالى: (إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) (114) (النساء) عام في الدماء والأموال والأعراض، وفي كل شيء يقع التداعى والاختلاف فيه بين الناس، وفي كل كلام يراد به وجه الله. وفي الخبر: «كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا ما كان من أمر بمعروف، أو نهيّ عن منكر، أو ذكر لله تعالى». وردّ الخصوم من الإصلاح بين الناس، وفي الحديث: «ألا أدلك على صدقة يحبّها الله ورسوله؟ تصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقرّب بينهم إذا تباعدوا»، وفي التنزيل: (فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ) (1) (الأنفال). والصلح بين الناس من البرّ والتقوى، كقوله: (أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) (224) (البقرة). والصلح بين المؤمنين من أعلى مراتب البرّ، والمؤمنون إخوة، وأخوّتهم أخوّة دين وليست أخوّة نسب، وأخوة الدين أثبت من أخوة النسب: «فأصلحوا بين أخويكم» يريد بالأخوين أفراد المؤمنين أو جماعاتهم، والبغى بينهم لا يزيل أخوّتهم، ولمّا سئل عليّ عن أهل الجمل وصفّين: أمشركون هم؟ قال: لا، إخواننا بغوا علينا. والكذب قد يعقد صلحا، والرسول صلى الله عليه وسلم حذّر من الكذّاب يريد الإصلاح بين الناس، فقال: «ليس الكذّاب الذي يصلح بين الناس فينمى خيرا (أى ينقل الحديث على وجه الإصلاح وطلب الخير) أو يقول خيرا». ويذهب بعض أهل الحكمة من المسلمين إلى جواز

622

موسوعة القرآن العظيم · الصفحة ١٩٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة القرآن العظيمص ١٩٠٣