والأعمار؛ وفي الاقتصاد منافع كثيرة، والبهرجة في الثياب محل نقد ومضيعة للمال، وكثرة الأكل كظّ المعدة ونتن التّخمة، وفي الأثر: «جوعوا تصحّوا»، والجوع بمعنى أن لا نأكل إلا عن جوع، لأن من الناس من يأكل عن شره، وقلّة الأكل يصحّ بها الجسم، ويجود بها الحفظ، ويزكو بها الفهم، ويعتدل بها النوم، وينصلح المزاج، ومن الأقوال المأثورة عند أهل الإسلام: «أكبر الدواء تقدير الغذاء»، لأن الأكل الكثير تتولد منه الأمراض، ومن أقوال أهل الطب في الإسلام: قل لي ما ذا تأكل، أقل لك ما الذي سيصيبك من أمراض»، وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يغنى عن كل كلام للأطباء، قال: «ما ملأ آدميّ وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه»، ولو سمع أبو الطب أبقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة، والعلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان، وعند المسلمين لا تعارض بين العلمين، ومن أقوال عليّ بن أبي طالب: إن الله تعالى قد جمع الطب كله في نصف آية من القرآن، قال: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) (الأعراف 31)، وجمع الرسول صلى الله عليه وسلم الطب كله في ألفاظ يسيرة فقال: «المعدة بيت الداء، والحمية رأس كل دواء»، والحمية من حمى المريض إذا منعه عما يضرّه. وفي الطب الإسلامي: معالجة المريض نصفان، نصف دواء، ونصف حمية»، فإذا اجتمع النصفان برأ المريض وصحّ، وإلا فالحمية به أولى، لأنه لا ينفع دواء مع ترك الحمية، وعلى العكس - قد تنفع الحمية مع ترك الدواء، ومن أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم يوجز الطب كله: «أصل كل دواء الحمية»، يعني لا تداوى من غير حمية، والحمية فيها الغناء عن كل دواء، وأطباء النفس اليوم من أهل الإسلام، من غير تلاميذ المبشّرين، كثيرا ما يعالجون الناس بالحمية، والحمية من الطب الإسلامي البدنى والنفسي: بمنع المريض من الأكل والشرب والكلام عدة أيام أقلها ثلاثة أيام، غالبا فيبرأ بإذن الله ويصحّ، والعلاج بالامتناع عن الكلام من تعاليم القرآن مثلما العلاج بحمية الأكل والشرب، ومن ذلك قوله تعالى لزكريا: (أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ) (41) (آل عمران)، وقوله تعالى عن مريم: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) (26) (مريم 26) وفي عدم الكلام اختزان للطاقة النفسية، وتوفير لها، وتوجيهها لمطلب العلاج، وتجنيب للنفس الدخول في المهاترات، ثم إنه توطين لها أن تسكن وتطمئن، وتؤمن بربّها وتسلّم نفسها إليه تعالى. وأقل مدة للصوم عن الكلام من يوم إلى ثلاثة، ويصحّ أكثر من ذلك، وقد صام موسى عن الكلام أربعين يوما، كقوله تعالى: (وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) (البقرة 51) والحمية إذن تكون من الطعام ومن الكلام. وفي الحديث: «الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحد» أخرجه مسلم، والمعنى: أن المؤمن يتناول الطعام دون شبع، وقد يوجد
615