(أى الضيف) أن يثوى (أى يقيم) عنده حتى يحرجه»، وفي الحديث تشريع جديد: أن الضيافة ثلاثة أيام، قيل يتكلف المضيف للضيف في اليوم الأول، ثم في الثاني والثالث يقدّم له ما يحضره ولا يزيد على عادته، فإن زاد على الأيام الثلاثة فهو صدقة، سمّاها كذلك لتنفير الضيف أن يمكث بعد الأيام الثلاثة. وأما الجائزة: فهي المئونة التي تمكن المسافر العابر إذا نزل ضيفا أن يجوز بها مقدار يوم وليلة من هذا البلد إلى البلد الآخر الذي يقصده، وتسمى لذلك الجيزة أيضا. واستدل بجعل ما زاد على الأيام الثلاثة صدقة، على أن هذه الأيام الثلاثة، وكذلك الجائزة، واجبة، ولا يحلّ للضيف أن يستمر في الإقامة بعد الأيام الثلاثة، وهو معنى الثواء، إلا لو قبل ذلك المضيف وطلبه منه، وهو معنى «حتى يحرجه»، لأنه إذا ارتفع الحرج عن الضيف والمضيف فإن الإقامة تجوز. وفي رواية لمسلم «حتى يؤثّمه» أي يوقع المضيف في الإثم، لأن إقامة الضيف أكثر من الأيام الثلاثة، تجعل المضيف يغتاب الضيف، أو يغلظ له في القول، أو يظن به السوء، وكل ذلك إثم. وفي الرواية أن الصحابى سلمان نزل ضيفا على أبى الدرداء، وأقام أكثر من الأيام الثلاثة حتى اضطر أبو الدرداء أن يرهن شيئا من بيته ليحصل على المال لضيفه، وقال سلمان يوما يشكر لأبى الدرداء حسن ضيافته: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا. فقال أبو الدرداء غاضبا: لو قنعت ما رهنت بعض ملكي كي أضيفك! - ويكره للمضيف والضيف أن يظهر الغضب أو الجزع لشيء يقع من أحدهما.
* * *
1508 - المسلم غير مسرف
أحلّ الله الأكل والشّرب واللبس للناس جميعا بلا تمييز، فقال: (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (31) (الأعراف)، والخطاب في الآية لبنى الإنسان ولكل العالم، وقوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) قاله كل حكماء الطب كأبقراط وغيره. والزينة في اللباس هي التجمّل، وهي حالة لا تكون إلا في المناسبات، كالذهاب إلى المساجد، فلا يذهب المسلم بملابس العمل، واستن الرسول صلى الله عليه وسلم غسل الجمعة لهذا السبب، والله تعالى جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده، والتجمّل في اللباس من غير إسراف - من العبادة، مثلما الاقتصاد في الأكل والشرب. وفي الإسلام لا سرف ولا مخيلة، وما يستر الجسم وتدعو إليه الحاجة، ويسدّ الجوع، ويسكن الظمأ، فهو مندوب إليه عقلا وشرعا، لما فيه من حفظ النفس، ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الإسراف في كل شيء، ويختلف ذلك باختلاف البلدان والأزمان
614