تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النار، وترجم البخاري ذلك فقال: كل لهو باطل إذا شغل عن طاعة الله. وهذا حسن من البخاري، لأنه شرط البطلان بأن يشغل الغناء عن طاعة الله، ولكن الغناء مطلقا ليس باطلا. ورأى آخر قال: إن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث، لأنه اشترى قصص الأعاجم، وكان يجلس بمكة ويحدّث بأحاديث ملوك الفرس، ويقول: قصصى أحسن من قصص محمد! واشترى القينات، وكان يرسل مستمعيه إليهن، يؤاكلنهم ويغنين لهم، ويسقونهم، وكان يقول: هذا خير مما يدعوكم إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه! والصحيح أن الآية نزلت في أحاديث قريش التي كانت تلهيهم عن تحرّى صدق الإسلام، وكانوا بها يخوضون في الباطل، فهؤلاء بتضييع وقتهم والاستماع للباطل اشتروا الكفر بالإيمان. ولهو الحديث هو استحبابه، ولعله لا ينفق فيه المال، ولكن سماعه كشرائه، لأنه مضيعة للوقت، والوقت مال. والأحاديث كقوله: «ما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين ... »، وقوله: «صوتان ملعونان فاجران أنهى عنهما: صوت مزمار ورنّة شيطان عند نعمة، وعند مصيبة لطم خدود وشق جيوب»، وقوله: «بعثت بكسر المزامير»، وقوله: «بعثت بهدم المزامير والطبل»، وقوله: «إذا فعلت أمتى خمس عشرة خصلة حلّ بها البلاء ... » فذكر منها: «إذا اتّخذت القينات والمعازف»، وقوله: «من مات وعنده جارية مغنية فلا تصلّوا عليه» إلخ، وكلها مردودة، فالدين والعقل والتربية والعلم ضد الغناء العابث، ولا يقرّه عاقل ولا سياسي، ولا حزب من الأحزاب أو حاكم من الحكّام، ولكن الأناشيد العسكرية، وطبول الحرب، وأصوات الآلات النحاسية مما يحمّس الجنود ويرفع روحهم المعنوية، والأغانى الحماسية وقت الحروب والأزمات، والأغانى التي تدعو إلى مكارم الأخلاق وفيها الحكمة، والأغانى والأناشيد الدينية، وأغانى أم كلثوم مثلا التي تحضّ على حبّ الحياة والأوطان، والحب الشريف العفيف، من أمثال قصائد شوقى، ونهج البردة - فكل ذلك مستحسن ومطلوب في التربية السياسية والوطنية والاجتماعية، وكذلك الموسيقى الخالصة كالسوناتات والسمفونيات، وكذلك الأوبرات، وكلها من الفنون الراقية والسامية، والإسلام يدعو إلى الرقى والسمو، ويحرّم الإسفاف والمجون، ونحن مع الإسلام، ومع العلم والعقل، ومع ما تعلّم الجامعات والمدارس، وما تنصح به أفراد العائلات، وما يدعو إليه المجتمع المدنى. والآلات الموسيقية لا شيء فيها محرّم، وإنما المستحسن والمستهجن هو ما يمكن أن توظّف فيه. ولقد ضربت المغنيات بالدف بين يديّ النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم دخل المدينة، فهم أبو بكر أن يزجرهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح»، فكنّ يضربن ويقلن: نحن بنات النجّار، حبذا محمد من جار! - ورقص الأحباش

582

موسوعة القرآن العظيم · الصفحة ١٨٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة القرآن العظيمص ١٨٦٣