في المسجد رقصا إيقاعيا، ومكّن الرسول صلى الله عليه وسلم عائشة أن تشهدهم حتى ملّت؛ وكانت عندها جاريتان تغنيان في العيد، وأمر أبا بكر أن يتركهما لأن لكل أمة عيدا وهذا عيدنا. وطلب من عائشة أن تغنى النسوة في فرح إحدى بنات الأنصار. والخلاصة: أن المباح من الغناء والموسيقى هو ما كانت له أهداف نبيلة وأغراض متسامية. وأما غير ذلك فإن فقهاء كمالك بن أنس، وأبى حنيفة، وابن حنبل، والشافعي قصدوا بتحريم الغناء هذا الضرب الفاسق والموسيقى الداعرة، ولذا سمّوا الممتهنين لهذين الفنين «الفسّاق». والعلم يقول نفس الشيء، وكذلك العقل، وهو ما تقضى به الحكمة. وفي الحديث: «عليكم بالسواد الأعظم، ومن فارق الجماعة مات ميتة الجاهلية»، والسواد الأعظم مع الغناء لأنه من الفطرة، وكل أمة الإسلام، وطبقات الناس فيها، وأعيانها وعقلاؤها ضد الإسفاف في أي مجال من مجالات الفنون والآداب. والإسلام مع الحضارة والرقى دائما.
* * *
1472 - فن القصّ في القرآن
القصص من مصطلحات القرآن، وأصله القصّ وهو تتبّع الأثر، تقول قصّ، وتقصّص، واقتصّ أثره، والقصة والأقصوصة هي الرواية والحديث، والقاص من يأتي بالقصة، ومنه قوله تعالى: (وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ) (11) (القصص) أي تتبعى أثره، فالقاصّ يتبع الآثار فيخبر بها. وقوله تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) (3) (يوسف) فإن الحسن هو حسن القصّ وهو فن الرواية، فيقال فلان حسن الاقتصاص للحديث، أي جيد السياقة له. وجمال القصة في جمال وحبكة صياغتها وسردها. وقيل: القصص تعنى الأخبار، كقوله تعالى: (فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ) (25) (القصص)، فأحسن القصص: أحسن الأخبار، وأحسنها ما كان عن حق وبعلم. والقصة حكاية من الماضى، كقوله: (كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ) (99) (طه) والقصّاص نوعان، فنوع نفّاج كذّاب، ونوع يقصّ بالحق، كقصص القرآن، كقوله تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِ) (13) (الكهف)، وقوله: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ) (57) (الأنعام)، والحق لا يعلمه إلا عليم، كقوله: (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ) (7) (الأعراف)، وعلّة القصص في القرآن العبرة والعظة، كقوله: (لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ) (111) (يوسف). والقصص القرآني تحكى عن الأنبياء، ومجاهداتهم، ومعاناتهم، وصبرهم، وعن مصارع الجبابرة، ومهالك الأمم الظالمة، ودمار الدول الغاشمة، وفي القصص القرآني عن الإنس والجن، والملائكة والشياطين، والجنة والنار، والحيوان والطير، وغرائب المخلوقات، وأساطين الجبروت، وأماثل الصالحين والمتّقين
583