تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإنما فعلنا ذلك لتأييد شريعته، وجوّزوا وضع الكذب لتثبيت ما ورد في القرآن والسنّة، واحتجّوا بأنه كذب له لا عليه! وقالوا: في الحديث: «من كذب عليّ ليضل به الناس فليتبوأ مقعده من النار»، وفي القرآن: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ) (144) (الأنعام). وهم كذبوا حقا وإنما ليهدوا لا ليضلّوا، وهذا هو عذرهم، والعذر أقبح من الذنب، فمن يضمن أنهم سيكذبون ليهدوا؟ وما هو فهمهم للهداية؟ ويهدون إلى ما ذا؟

* * *

1347 - ربّ مبلّغ أوعى من سامع

المسلم مبلّغ ومبلّغ، ولا يستنكف مسلم أن يبلّغ ما يسمع من العلم، ولا يتقاعس عن أن يأخذ عن المبلّغين، وأن يكون مبلّغا، كقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) (67) (المائدة)، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، ومن بعده لكل مسلم قد خلفه، كقوله: (إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ) (23) (الأحقاف)، وكل علم هو رسالة من الله تعالى واجبة التبليغ. وفي الحديث: «ربّ مبلّغ أوعى من السامع وليبلّغ الشاهد الغائب» أي ربّ مبلّغ عن الرسول صلى الله عليه وسلم أفهم لما يقول من سامع قد سمع منه شخصيا؛ وفي المعنى العام أن المبلّغ بالعلم من غير عالم، والغائب الذي يسمع بالعلم من آخر شهد أهل العلم واستمع لهم، قد يدرك به تطبيقات ومجالات من الفهم أوسع وأكثر ممن سمعه منهم مباشرة. وليست العبرة بما نسمع ونشهد ونقرأ، ولكن العبرة بما يتخلّف من القراءة والسماع والرؤية، والناس في الفهم متباينون، فهناك من يسمع ويرى ولا يجدى معه ما يسمع وما يرى، كالأرض الصلبة ينزل عليها المطر فيسيل عنها ولا يبقى منه شيء لها تفيد منه؛ وهناك من يسمع ولا يفيد إلا القليل، كالأرض السبخة يرويها المطر ولكنها لا تتقبل الزرع بها إلا قليلا، وأما الأرض الجيدة فهي التي ينمو فيها الزرع ويصحّ، فكذلك الناس، فمنهم الواعى الذي يعقل ما يسمع، والأوعى منه وهو الذي ينفعل به ويدعو إليه لأنه ينفع الناس، فهكذا المسلم العالم الداعية المبلّغ.

* * *

1348 - العالم يعلم ويعلم

العلماء ثلاثة: العالم العامل المعلّم: كالأرض الطيبة شربت الماء فانتفعت به في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها؛ والعالم الجامع للعلم: المستغرق فيه لزمانه، غير أنه لم يعمل به، ولم يتفقه فيما جمع، ولكنه أدّاه لغيره، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به، وهو المشار إليه بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «نضّر الله امرأ سمع مقالتي فأدّاها كما

441

موسوعة القرآن العظيم · الصفحة ١٧٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة القرآن العظيمص ١٧٢٢