مائة درجة، و «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب»، و «يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء»، فتلك هي منزلة العالم إذن تتوسط بين النبوة والشهادة، فأعظم بها منزلة! وفي الخبر أن سليمان خيّر بين العلم والمال والملك، فاختار العلم، فأعطى المال والملك معه. وعلّم ربّنا النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يدعو: (رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) (114) (طه)، وهذا نصّ صريح في فضل العلم، لأن الله تعالى لم يأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم. وفي الحديث: «من التمس طريقا يلتمس فيه علما سهّل الله له طريقا إلى الجنّة. ولو قارنت بين القرآن والتوراة والإنجيل لوجدت عجبا، فلا ذكر للعلم والعلماء في هذين الكتابين الأخيرين، في حين يأتي العلم في القرآن 745 مرة!
* * *
1345 - العلم قبل القول والعمل
قال تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) (19) (محمد) فبدأ بالعلم، ثم أمره بالعمل. والخطاب وإن كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم إلا أنه عام لأمّته، والأحاديث في العلم كثيرة، منها: «العلماء هم ورثة الأنبياء»، وشاهده في القرآن: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا) (32) (فاطر)، وميراث الأنبياء هو العلم؛ ومنها: «من سلك طريقا يطلب به علما سهّل الله له طريقا إلى الجنة»؛ ومنها: «من يرد الله به خيرا يفقهه» - والفقه عام لكل شئ؛ ومنها: «إنما العلم بالتعلّم». وفي القرآن: (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ) (79) (آل عمران)، والربّانى: الذي يربّى الناس بصغار العلم قبل كباره. والله يتوعّد من كتم علما يعلمه، وتبليغه واجب في كل حال، ولا ينتهى المسلم عنه أبدا. والعلماء هم أصحاب الأفهام والعقول، كقوله: (وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ) (43) (العنكبوت)، والعلم والجهل لا يتعادلان، كقوله: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (9) (الزمر).
* * *
1346 - ليبلغ العلم الشاهد الغائب
هذا كلام ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: ليبلّغ العلم الشاهد الغائب»، يعني من يشهد علما سمعا أو مشاهدة عين، فلينقله إلى غائب لم يعاينه، وحذّر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يكذب المبلّغ فيما بلّغه، وأن يكذب وينسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يقله، والكذب أعدى أعداء العالم، وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا تكذبوا عليّ»، ومن كذب من أهل العلم أثم إثما كبيرا، وقد اغتر البعض فنسبوا أقوالا للرسول صلى الله عليه وسلم وادعوا فقالوا: نحن لم نكذب عليه
440