وأما الوحي فأصله الإسراع، فلما كان النبي يتلقى ما يأتيه من ربه بِعَجَل سمي وحياً، وسميت أنواع الإلهامات وحياً، تشبيهاً بالوحي إلى النبي، وسمي الخط وحياً، لسرعة حركة يد كاتبه، ووحي الحاجب واللحظ سرعة إشارتهما ومنه قوله تعالى: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً) (مريم: 11)، أي أومأ ورمز. و قيل: كتب، ومنه قولهم: الوحا، الوحا، أي السرعة.
وقيل أصل الوحي السر ولإخفاء، ومنه سمي الإلهام وحياً، ومنه: وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم، أي يوسوسون في صدروهم، ومنه قوله: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) (القصص: 7)، أي ألقي في قلبها.
وقد قيل ذلك في قوله تعالى:(وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الشورى: 51)، أي ما يلقيه في قلبه دون واسطة.
الفصل الثاني:
في معنى تسمية من جاءت به الأنبياء معجزة:
اعلم أن تسميتنا ما جاءت به الأنبياء معجزة، هو أن الخلق عجزوا عن الإتيان بمثلها، وهي على ضربين: ضرب هو من نوع قدره البشر، فعجزوا عنه، فتعجيزهم عنه فعل لله دل على صدق نبيه، كصرفهم عن تمني الموت. وتعجيزهم عن الإتيان بمثل القرآن على رأي بعضهم، ونحوه.
وضرب هو خارج عن قدرته، فلم يقدروا على الإتيان بمثله، كإحياء الموتى، وقلب العصا حية، وإخراج ناقة من صخرة، وكلام شجرة، ونبع الماء من الأصابع، وانشقاق القمر، مما لا يمكن أن يفعله أحد، إلا الله، فكون ذلك على يد النبي صلى الله عليه وسلم من فعل الله تعالى و تحديه من يكذبه أن يأتي بمثله تعجيز له
و اعلم أن المعجزات التي ظهرت على يد نبينا صلى الله عليه وسلم دلا ئل نبوته و براهين صدقه ـ من هذين النوعين معاً ـ و هو أكثر الرسل معجرةً، وأبهرهم آيةً، و أظهرهم برهاناً، كما سنبينه، وهي ـ في كثرتها ـ لا يحيط بها ضبط، فإن واحداً منها ـ و هو القرآن ـ لا يحصى عدد معجزاته بألف ولا ألفين، ولا أكثر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد تحدى بسورة منه فعجز عنها.
قال أهل العلم: (إنا أعطيناك الكوثر). فكل آية أو آيات منه بعددها وقدرها معجزة، ثم فيها نفسها معجزات على ما سنفصله فيما انطوى عليه من المعجزات.
ثم معجزاته صلى الله عليه وسلم على قسمين:
قسم منها علم قطعاً:، ونقل إلينا متواتراً كالقرآن،فلا مرية، ولا خلاف، بمجيء النبي صلى الله عليه وسلم به، وظهوره من قبله، واستدلاله بحجته، وإن أنكر هذا معاند جاحد، فهو كإنكاره وجود محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا. وإنما جاء اعتراض الجاحدين في الحجة به، فهو في نفسه وجميع ما تضمنه من معجز معلوم ضرورة ووجه إعجازه معلوم ضرورةً ونظراً، كما سنشرحه.
قال بعض أئمتنا: ويجري هذا المجرى على الجملة أنه قد جرى على يديه صلى الله عليه وسلم آيات وخوارق عادات إن لم يبلغ واحد منها معيناً القطع فيبلغه جميعها، فلا مرية في جريان معانيها على يديه، ولا يختلف مؤمن ولا كافر ـ أنه جرت على يديه عجائب، وإنما خلاف المعاند في كونها من قبل الله.
وقد قدمنا كونها من قبل الله، وأن ذلك بمثابة قوله: صدقت.
فقد علم وقوع مثل هذا أيضاً من نبينا ضرورةً لاتفاق معانيها، كما يعلم ضرورة جود حاتم، وشجاعة عنترة، وحلم أحنف، لاتفاق الأخبار الواردة عن كل واحد منهم على كرم هذا، وشجاعة هذا، وحلم هذا، وإن كان كل خبر بنفسه لا يوجب العلم، ولا يقطع بصحته.
والقسم الثاني: ما لم يبلغ مبلغ الضرورة والقطع، وهو على نوعين: نوع مشتهر منتشر، رواه العدد، وشاع الخبر به عند المحدثين والرواة ونقلة السير والأخبار، كنبع الماء من بين الأصابع، وتكثير الطعام.