نزل على محمد صلى الله عليه وسلم قبل ألف وأربعمائة عام، بذكر تلك الحقيقة في آية من القرآن أو بعض آية، أو في حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعض حديث بدقة علمية معجزة، وعبارات مشرقة، وبهذا أنبأنا القرآن. قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)﴾ (فصلت:52 - 53) فهيا لنتدبر بعض معاني هذا النص القرآني: لقد ورد الأفق في اللغة بمعنى: ما ظهر من نواحي الفلك وأطراف الأرض، وآفاق السماء: نواحيها (19) وآيات الله في آفاق الأرض والسماء تحمل معاني ثلاثة: الأول: المخلوقات التي خلقها الله في شتى آفاق الأرض والسماء مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ ... ﴾ (الشورى:29).
الثاني: آيات القرآن التي تخبر وتصف أنواع المخلوقات، وهي آيات كثيرة.
الثالث: البينات والمعجزات التي يظهرها الله تصديقاً لرسول صلى الله عليه وسلم في شتى آفاق الأرض والسماء برؤية مصداقها من حقائق الخلق حينا بعد حين. قال الشوكاني: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾: سنريهم صدق دلالات صدق القرآن، وعلامة كونه من عند الله في الآفاق وفي أنفسهم ... . والمعنى: سنريهم آياتنا في النواحي وفي أنفسهم (20).وقال ابن كثير: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾: أي ستظهر لهم دلالاتنا، وحججنا، على كون القرآن حقاً منزلا من عند الله، على رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلائل خارجية في الآفاق (21).وقال الزمخشري: ومعناه أن هذا الموعود، من إظهار آيات الله في الآفاق، وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدون، فيتبينون عند ذلك أن القرآن تنزيل عالم الغيب، الذي هو على كل شئ شهيد، أي مطلع ومهيمن، يستوي عنده غيبه وشهادته، فيكفيهم ذلك دليلاً على أنه حق وأنه من عنده (22).بهذا قال كثير من المفسرين عند تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ وقال أبو العباس بن تيمية: وأما الطريق العياني: فهو أن يرى العباد من الآيات الأفقية والنفسية، ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغته الرسل عن الله حق، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)﴾ أي: أولم يكف بشهادته المخبرة بما في علمه، وهو الوحي الذي أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم فإن الله على كل شئ شهيد وعليم به. (23) ولقد قرر عطاء وابن يزيد أن معنى (الآفاق) المذكورة في الآية هو ما نقله عنهما القرطبي في تفسيره:"وقال عطاء وابن زيد أيضاً: في (الآفاق) يعني أقطار السموات والأرض، من الشمس والقمر، والنجوم والليل والنهار، والرياح والأمطار، والرعد والبرق، والصواعق، والنبات والأشجار، والجبال والبحار، وغيرها" (24).وروى هذا عنهما عدد من أئمة التفسير (25).وفي الجلالين: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾: أقطار السموات والأرض من النيران والنبات والأشجار. ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾: من لطيف الصنعة وبديع الحكمة (26).فهذه آيات الله في كتابه تتحدث عن آياته في مخلوقاته، وتتجلى بمعجزة علمية بينة تسطع في عصر الكشوف العلمية في آفاق الكون.
اللقاء حتمي والمعجزة واقعة