تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الناس، وتتجدد مع كل فتح بشري في آفاق العلوم، والمعارف ذات الصلة بمعاني الوحي الإلهي. قال الخازن عند تفسير هذه الآية:"لكن الله يشهد لك يا محمد بالنبوة، بواسطة هذا القرآن، الذي أنزله عليك" (6) وقال ابن كثير:"فالله يشهد لك بأنك رسوله، الذي أنزل عليه الكتاب، وهو القرآن العظيم ... ولهذا قال: أنزله بعلمه: أي فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه، من البينات والهدى، والفرقان، وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب، من الماضي والمستقبل (7).وقال أبو العباس بن تيمية: فإن شهادته بما أنزل إليه، هي شهادته بأن الله أنزله منه، وأنه أنزله بعلمه، فما فيه من الخبر، هو خبر عن علم الله، وليس خبراً عمن دونه، وهذا كقوله: ﴿فَإِْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ (هود:14) وليس معنى مجرد كونه أنزله أنه معلوم له، فإن جميع الأشياء معلومة له، وليس في ذلك ما يدل على أنها حق، لكن المعنى: أنزله فيه علمه، كما يقال: فلان يتكلم بعلم، فهو سبحاه أنزله بعلمه، كما قال: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ (6)﴾ (8) (الفرقان:6).وإلى هذا المعنى ذهب كثير من المفسرين (9) وهكذا تسطع بينه الوحي، المنزل على محمد –صلَّى الله عليه وسلَّم – بما نزله فيه من علم إلهي، يدركه الناس في كل زمان ومكان، ويتجدد على مر العصور، ولذلك قال:"ما من الأنبياء نبي إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً، أو حاه الله إلى، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة". (10) قال ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث:"ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة، وخرقه للعادة في أسلوبه، وفي بلاغته، وإخباره بالمغيبات، فلا يمر عصر من الأعصار، إلا ويظهر فيه شئ مما أخبر به أنه سيكون؛ يدل على صحة دعواه ... فعم نفعه من حضر، ومن غاب، ومن وجد، ومن سيوجد" (11). ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)﴾ وبينة القرآن العلمية يدركها العربي والأعجمي، وتبقى ظاهرة متجددة إلى قيام الساعة. ففي القرآن أنباء تعرف المقصود منها، لأنها بلسان عربي مبين، لكن حقائقها وكيفياتها لا تتجلى إلا بعد حين. قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)﴾ (ص:87 - 88).قال الفراء في تفسير الحين الذي ذكرته الآية أنه:"بعد الموت وقبله أي لتظهر لكم حقيقة ما أقول (بعد حين) أي في المستأنف" (12) وذهب السدي الكبير إلى هذا المعنى (13) وقال ابن جرير الطبري، بعد ذكر الأقوال المتعددة، في تفسير الحين الذي ذكرته الآية) وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: أن الله أعلم المشركين بهذا القرآن أنهم يعلمون نبأه بعد حين، من غير حد منه لذلك الحين بحد، ولا حد عند العرب للحين، لا يجاوز ولا يقصر عنه، فإذا كان ذلك كذلك، فلا قول فيه أصح من أن يطلق، كما أطلقه الله، من غير حصر ذلك على وقت دون وقت (14). ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)﴾ (الأنعام67).وشاء الله أن يجعل لكل نبأ زمناً خاصاً يتحقق فيه، فإذا تجلى الحدث ماثلا للعيان أشرقت المعاني، التي كانت تدل عليها الحروف والألفاظ في القرآن، وتتجدد المعجزة العلمية عبر الزمان، وإلى هذا الزمن أشار القرآن في قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُون َ (67) الأنعام﴾ (الأنعام67).ويبقى النبأ الإلهي محيطاً بكل الصور، التي

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٥٠٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٥٠٠٦