وأما الكافر فتسوقه تلك الحكم الباهرة إلى الإيمان إن كان منصفا حين يعلم أن هذا التشريع الإسلامي قام على رعاية مصالح الإنسان لا على الاستبداد والتحكم والطغيان خصوصا إذا لاحظ سير ذلك التشريع وتدرجه في موضوع واحد
وحسبك شاهدا على هذا تحريم الخمر وما نزل فيه وقد مر بك في البحث السابق فلا نعيده ولا تغفل
الفائدة الثانية الاستعانة على فهم الآية ودفع الإشكال عنها
حتى لقد قال الواحدي لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها
وقال ابن تيمية معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالمسبب يورث العلم بالسبب ا ه
ولنبين لك ذلك بأمثلة ثلاثة الأول قال الله تعالى في سورة البقرة ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله وسع عليم 2 البقرة 115
فهذا اللفظ الكريم يدل بظاهره على أن للإنسان أن يصلي إلى أية جهة شاء ولا يجب عليه أن يولي وجهه شطر البيت الحرام لا في سفر ولا حضر
لكن إذا علم أن هذه الآية نازلة في نافلة السفر خاصة أو فيمن صلى باجتهاده ثم بان له خطؤه تبين له أن الظاهر غير مراد إنما المراد التخفيف على خصوص المسافر في صلاة النافلة أو على المجتهد في القبلة إذا صلى وتبين له خطؤه
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن هذه الآية نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت
وقيل عميت القبلة على قوم فصلوا إلى أنحاء مختلفة فلما أصبحوا تبينوا خطأهم فعذروا
وقيل في الآية غير ذلك ولكن ما ذكرناه يكفيك
المثال الثاني روي في الصحيح أن مروان بن الحكم أشكل عليه معنى قوله تعالى لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم 3 آل عمران 188 من سورة آل عمران
وقال لئن كان كل امرىء فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون
وبقي في إشكاله هذا حتى بين له ابن عباس أن الآية نزلت في أهل الكتاب حين سألهم النبي عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره وأروه أنهم أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه أي طلبوا منه أن يحمدهم على ما فعلوا
وهنالك زال الإشكال عنه وفهم مراد الله من كلامه هذا ووعيده
المثال الثالث أشكل على عروة بن الزبير رضي الله عنه أن يفهم فرضية السعي بين الصفا والمروة مع قول سبحانه إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو أعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما 2 البقرة 158
وإشكاله نشأ من أن الآية الكريمة نفت الجناح ونفي الجناح لا يتفق والفرضية في رأيه وبقي في إشكاله هذا حتى سأل خالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فأفهمته أن نفي الجناح هنا ليس نفيا للفرضية إنما هو نفي لما وقر في أذهان المسلمين يومئذ