4 ــ أن تأتي جمهرة مِن المسلمين، أو أهل الحل والعقد منهم، أو فئة من أهل القوة، بعد موت الخليفة، إلى شخص مُؤهَّل لِتولّي الخلافة، فتطلب منه أن يتولّى الخلافة، فيستجيب لهم، بعد أن يلمس رضا غالبية المسلمين به. ثم يأخذ البيعة علناً من المسلمين. فإنه بهذه البيعة العلنية من المسلمين تنعقد له الخلافة، وتجب له الطاعة.
وما طلبُ مَنْ طلب منه أن يتولّى الخلافة إلا ترشيح له لأن يكون الخليفة، وحصر للخلافة فيه. لكنّه لم تنعقد له الخلافة بهذا الطلب، وإنما انعقدت ببيعة الناس له.
وذلك كما حصل مع عليّ بن أبي طالب. إذ إنه لمّا قُتِلَ الخليفة عثمان بن عفان من قِبَلِ الثوار، بقيت المدينة بعد قتله خمسة أيام دون خليفة، وكان أميرها في هذه الأيام الخمسة الغافقي بن حرب، أمير من أمراء الثوار. وقد طلب هؤلاء الثوار عليّ بن أبي طالب ليُوَلّوه الخلافة، فكان يتهرب منهم، فأتاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن هذا الرجل ـ يعنون عثمان ـ قد قُتِل ولا بُدَّ للناس مِنْ إمام، ولا نجد اليوم أحداً أحقّ بهذا الأمر منك، لا أقدَمَ سابقة، ولا أقرَبَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: لا تفعلوا، فإني أكون وزيراً، خير مِنْ أن أكون أميراً. فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين، حتى نبايعك قال: ففي المسجد، فإنّ بيعتي لا تكون خفيّاً، ولا تكون إلا عن رضا المسلمين. فقال عبد الله بن عباس: فلقد كرهت أن يأتي المسجد، مخافة أن يُشغَبَ عليه، وأبى هو إلا المسجد، فلمّا دخَلَ، دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه، ثم بايعه الناس وجمهرة المسلمين على الرغم من تخلّف بني أميّة، وبعض الصحابة.
وبهذه البيعة العلنية لعليّ بن أبي طالب في المسجد، مِنْ جمهرة الصحابة والمسلمين انعقدت له الخلافة، ووجبت له بها الطاعة على المسلمين.
ومن تتبع إجراءات هذا الشكل، الذي تَمَّ به تنصيب عليّ بن أبي طالب خليفة للمسلمين، يُرى بأنه يختلف عن الأشكال الثلاثة السابقة، التي تَمَّ بها تنصيب الخلفاء الثلاثة قبله.
5 ــ عندما تكون دولة الخلافة موجودة، ويكون فيها مجلس للأُمة، ينوب عنها في الشورى، وفي محاسبة الحكام، يقوم الأعضاء المسلمون الموجودون في المجلس، بحصر المرشحين للخلافة، مِن الأشخاص المؤهلين لِتَولّي الخلافة، والمستكملين لشروط انعقاد الخلافة.
وبعد أن يَتمّ حصرهم من قِبَل أعضاء المجلس تُعلَن أسماؤهم للمسلمين. ثم يُعيَّن يَومٌ لانتخاب واحد منهم، ليكون هو الخليفة، ويكون الانتخاب إما من الأُمة، وإما من أعضاء مجلس الأُمة المسلمين وحدهم، حسب ما هو متبنى في دستور دولة الخلافة. ومَنْ ينال أكثر الأصوات، سواء من الأُمة، إن كان الانتخاب قد تَمّ مِنْ قِبَل الأُمة، أو مِن المجلس إن كان الانتخاب قد تم من قبل المجلس، يُعلَنُ اسمه للأُمة، بأنه نال أكثر الأصوات؛ ثم يُبايَع من أعضاء مجلس الأُمة المسلمين، بيعة انعقاد، ثمّ يُبايع مِن المسلمين بيعة عامة، بيعة طاعة. وهذه الأشكال الخمسة، التي يجوز أن يجري بموجبها تنصيب خليفة للمسلمين، إنما تكون ـ بعد موت الخليفة ـ عندما يكون للمسلمين دولة خلافة، ويكون الإسلام وحده هو المطبّق عليهم.