تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بي، وقد أطلق الله أيْمانكم مِنْ بيعتي، وحَلَّ عنكم عُقدتي، وردّ عليكم أمركم، فأمِّروا عليكم مَنْ أحببتم، فإنكم إن أمَّرتُم في حياة مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي».

غير أن الناس لم يتفقوا على مَنْ يخلف أبا بكر، فرجعوا إليه فقالوا: رأيُنا يا خليفة رسول الله رأيُك، قال: «فلعلكم تختلفون؟ قالوا: لا، قال: فعليكم عهد الله على الرضى؟ قالوا: نعم، قال: أمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده».

فكان هذا تفويضاً صريحاً من المسلمين لأبي بكر في أن يختار لهم خليفة، وكأن أبا بكر كان يُحسّ ما يجول في أذهان كبار الصحابة، ويشعر في رغبة كل واحد منهم أن يتولاها، لذلك أخذ عليهم العهد.

ومع هذا التفويض فإن أبا بكر عاود استشارة كبار الصحابة، فاستشار عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وسعيد بن زيد، وأُسَيْد بن حُضَيْر، وكانت استشارته لهم استشارة سرية. وكان يدور في ذهنه عمر وعليّ، إلا أنه بعد أن استقرّ رأيه على عمر استشار الناس استشارة علنية، إذ أشرف على الناس من بيته ــ وزوجته أسماء بنت عُمَيْس ممسكته ــ وخاطبهم قائلاً: (أترضَوْن بمن أستخلف عليكم؟، فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا ولّيت ذا قرابة. فقالوا: نعم. فتابع قائلاً: وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا) فأجاب الناس سمعنا وأطعنا. عند ذلك رفع أبو بكر يديه إلى السماء وقال: (اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم. وخفت عليهم الفتنة. فعملت فيهم ما أنت به أعلم. واجتهدت لهم رأيي، فوليت عليهم خيرهم، وأقواهم عليهم، وأحرصهم على ما أرشدهم) وسمع الناس دعاءه فازدادوا اطمئناناً لما صنع. وبعد وفاة أبي بكر ذهب عمر إلى المسجد. وأقبل الناس على بيعته إقبالاً تاماً، ولم يتخلف منهم أحد حتى طلحة. وظل عمر في المسجد من الصباح حتى الظهر، والناس يزدحم بهم المسجد لمبايعته. وفي صلاة الظهر ــ وكان المسجد مزدحماً ازدحاماً تاماً ــ صعد عمر المنبر درجة دون الدرجة التي كان يقوم أبو بكر عليها، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي وذكر أبا بكر وفضله، ثم قال: (أيها الناس ما أنا إلا رجل منكم، ولولا أني كرهت أن أرد أمر خليفة رسول الله ما تقلدت أمركم). ثم توجه بنظره إلى السماء، وجعل يقول: (اللهم إني غليظ فَلَيِّنِّي. اللهم إني ضعيف فقوّني. اللهم إني بخيل فسخّني) ثم أمسك هنيهة. ثم قال: (إن الله ابتلاكم بي، وابتلاني بكم، وأبقاني فيكم بعد صاحبيّ، فوالله لا يحضرني شيء من أمركم فيليه أحد دوني، ولا يتغيّب عني فآلوا فيه عن الجَزْء والأمانة، ولئن أحسنوا لأحسنن إليهم، ولئن أساءوا لأنكلنّ بهم) ثم نزل، فأم الناس للصلاة. فكانت بيعة عمر بن الخطاب في المسجد مِن المسلمين، هي التي انعقدت له بها الخلافة. وبها وجبت له الطاعة عليهم.

وأما عهد أبي بكر إليه فلم يَعْدُ كونه ترشيحاً له للخلافة، وحصراً للترشيح لها فيه. ولم تنعقِد له به خلافة، ولم تجب له به طاعة. إذ إنه لم يُصبح خليفة إلا بعد أن تمّت له البيعة من الناس في المسجد.

وبتتبع أجراءات هذا الشكل، الذي صار به عمر بن الخطاب خليفة للمسلمين، يُري أنّه يختلف عن الشكل الذي تمّ به تنصيب أبي بكر خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٤٦٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٤٦٠٤