أفضل المهاجرين، وثاني اثنين إذ هما في الغار، وخليفة رسول الله على الصلاة، أفضل دين المسلمين، فمن ذا ينبغي له أن يتقدمك، أو يتولى هذا الأمر عليك؟».
وأسرع بشير بن سعد فبايع أبا بكر. والتفت أسيد بن حضير زعيم الأوس إلى قومه وهم ينظرون إلى ما صنع بشير بن سعد، وقال لهم: «والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرّة، لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً. قوموا فبايعوا أبا بكر» وقام الأوس فبايعوا أبا بكر. ثم قام الناس يبايعون أبا بكر مسرعين، حتى ضاق بهم المكان من السقيفة.
وبذلك تمت بيعة السقيفة وجثمان النبي لا يزال مسجى في فراشه لم يدفن بعد. وبعد تمام البيعة انفض الناس مِنَ السقيفة. وفي اليوم التالي جلس أبو بكر في المسجد. وقام عمر فخطبهم معتذراً عما تحدث به إلى المسلمين بالأمس، مِنْ أن النبي لم يمت، إلى أن قال: «وإن الله أبقى فيكم كتاب الله الذي هدى به رسوله، فإن اعتصمتم به هداكم الله، كما هداه به، وإنّ الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثاني اثنين إذ هما في الغار. فقوموا فبايعوا» فبايع الناس جميعاً. وبذلك تمت البيعة. فقام أبو بكر وألقى في الناس خطاباً، كان أول حديث له في خلافته، فقال: «أما بعد أيها الناس، فإني قد وُلّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله. والقوى فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل. ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله».
هذه خلاصة انتخاب أبي بكر للخلافة ثم بيعته؛ فإن اختلاف الأنصار والمهاجرين على الخليفة كان بمثابة ترشيح للخليفة من الجانبين، ثم بعد كلمة أبي عبيدة وبشير بن سعد ترجح الرأي بجانب المهاجرين، ثم ترجح الرأي لأبي بكر فَبُويع ممن كان في السقيفة، إلا سعد بن عبادة. فكانت بيعته هذه في السقيفة بيعة انعقاد. أما بيعة المسجد في اليوم الثاني فكانت بيعة طاعة.
ففي هذا الشكل من إجراءات تنصيب أبي بكر يُرى أنه اجتمع جمهرة مِنْ أهل المدينة المنورة، وهي مركز الدولة، فتناقشوا وتلاسنوا، ورُشح أشخاص لتولّي منصب الخلافة، كانوا محصورين بسعد، وأبي بكر وعمر وأبي عبيدة، ثم ترجح الرأي لأبي بكر فَبُويع.
2 ــ أن يلجأ الخليفة ــ بمبادرة منه، أو بطلب من الناس ــ عندما يشعر بدنو أجله إلى استشارة المسلمين، أو أهل الحل والعقد فيهم، أو سادتهم والمقدمين منهم، فيمن يرون أن يكون خليفة عليهم بعده، ومِنْ ثَمَّ يَعْهَد لشخص ليكون خليفة على المسلمين مِنْ بعده. وبعد موت الخليفة يبايعه المسلمون ليكون خليفة عليهم. وببيعتهم له تنعقد له الخلافة، ويصبح خليفة عليهم ببيعتهم هذه، لا بعهد الخليفة السابق له.
وذلك كما حصل مع أبي بكر لما عهد لعمر، إذ بعد أن ثَقُلَ المرض على أبي بكر، وظنّ أنه ميّت، جمع الناس فقال: «إنه قد نزل بي ما قد ترون، ولا أظنني إلا ميّتاً لما