أحدها: أن يكون سلطان ذلك القطر سلطاناً ذاتياً، يستند إلى المسلمين وحدهم، لا إلى دولة كافرة، أو نفوذ كافر.
ثانيها: أن يكون أمان المسلمين في ذلك القطر بأمان الإسلام، لا بأمان الكفر، أي أن تكون حمايته من الداخل والخارج حماية إسلام من قوة المسلمين، باعتبارها قوة إسلامية بحتة.
ثالثها: أن يبدأ حالاً بمباشرة تطبيق الإسلام كاملاً تطبيقاً انقلابياً شاملاً، وأن يكون متلبساً بحمل الدعوة الإسلامية.
رابعها: أن يكون الخليفة المُبايَع مستكملاً شروط انعقاد الخلافة، وإن لم يكن مستوفياً شروط الأفضلية، لأن العبرة بشروط الانعقاد.
فإذا استوفى ذلك القطر هذه الأمور الأربعة، فقد وجدت الخلافة بمبايعة ذلك القطر وحده، وانعقدت به وحده، ولو كان لا يمثل أكثر أهل الحلّ والعقد لأكثر الأُمة الإسلامية، لأن إقامة الخلافة فرض كفاية، والذي يقوم بذلك الفرض على وجهه الصحيح يكون قام بالشيء المفروض. ولأن اشتراط أكثر أهل الحلّ والعقد إنما يكون إذا كانت هنالك خلافة موجودة، يُراد إيجاد خليفة فيها مكان الخليفة المتوفى أو المعزول. أما إذا لم تكن هنالك خلافة مطلقاً، ويُراد إيجاد خلافة، فإن مجرد وجودها على الوجه الشرعي، تنعقد الخلافة بأي خليفة يستكمل شروط الانعقاد، مهما كان عدد المبايعين الذين بايعوه. لأن المسألة تكون حينئذٍٍ مسألة قيام بفرض، قصَّر المسلمون عن القيام به، مدة تزيد على ثلاثة أيام. فتقصيرهم هذا تَرْك لحقهم في اختيار من يريدون. فمن يقوم بالفرض يكفي لانعقاد الخلافة به، ومتى قامت الخلافة في ذلك القطر وانعقدت لخليفة، يصبح فرضاً على المسلمين جميعاً الانضواء تحت لواء الخلافة ومبايعة الخليفة، وإلا كانوا آثمين عند الله. ويجب على هذا الخليفة أن يدعوهم لبيعته، فإن امتنعوا كان حكمهم حكم البغاة، ووجب على الخليفة محاربتهم، حتى يدخلوا تحت طاعته. وإذا بويع لخليفة آخر في نفس القطر، أو في قطر آخر بعد بيعة الخليفة الأول، وانعقاد الخلافة له انعقاداً شرعياً مستوفياً الأمور الأربعة السابقة، وجب على المسلمين محاربة الخليفة الثاني، حتى يبايع الخليفة الأول، لما روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ... ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعهُ فاضربوا عنق الآخر»، ولأن الذي يجمع المسلمين هو خليفة المسلمين براية الإسلام. فإذا وُجد الخليفة وجدت جماعة المسلمين، ويصبح فرضاً الانضمام إليهم، ويحرم الخروج عنهم. روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ رأى مِنْ أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنه مَنْ فارق الجماعة شِبراً فمات إلاّ مات ميتة جاهلية». وروى مسلم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كره مِنْ أميره شيئاً فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية». ومفهوم هذين الحديثين لزوم الجماعة ولزوم السلطان.
ولا حق في البيعة لغير المسلمين، لأنها بيعة على الإسلام أي على كتاب الله وسنة رسوله، وهي تقتضي الإيمان بالإسلام، وبالكتاب والسنة. وغير المسلمين لا يجوز