وقنعوا بذلك ورضوا، ثم بايعوه عن رضا واختيار، فإنه يصبح خليفة منذ اللحظة التي بُويع فيها عن رضا واختيار، ولو كان أخذ السلطان ابتداءً بالتسلط والقوة. فالشرط هو حصول البيعة، وأن يكون حصولها عن رضا واختيار، سواء كان مَنْ حصلت له البيعة هو الحاكم والسلطان، أو لم يكن.
2 - مَنْ تنعقد بهم الخلافة
أما من هم الذين تنعقد الخلافة ببيعتهم فإن ذلك يُفهم من استعراض ما حصل في بيعة الخلفاء الراشدين، وما أجمع عليه الصحابة. ففي بيعة أبي بكر اكتُفِيَ بأهل الحَلّ والعقد من المسلمين الذين كانوا في المدينة وحدها، ولم يؤخذ رأي المسلمين في مكة، وفي سائر جزيرة العرب، بل لم يُسألوا. وكذلك الحال في بيعة عمر. أما في بيعة عثمان فإن عبد الرحمن بن عوف أخذ رأي المسلمين في المدينة، ولم يقتصر على سؤال أهل الحَلّ والعقد. وفي عهد عليّ اكتُفِيَ ببيعة أكثر أهل المدينة وأهل الكوفة، وأُفرِدَ هو بالبيعة. واعتبرت بيعته حتى عند الذين خالفوه وحاربوه، فإنهم لم يبايعوا غيره، ولم يعترضوا على بيعته، وإنما طالبوا بدم عثمان، فكان حكمهم حكم البغاة الذين نقموا على الخليفة أمراً، فعليه أن يوضحه لهم ويقاتلهم، ولم يقيموا خلافة أخرى.
وقد حصل كل ذلك ــ أي بيعة الخليفة من أكثر أهل العاصمة فقط دون باقي الأقاليم ــ على مرأى ومسمع من الصحابة، ولم يكن هنالك مخالف في ذلك، ولا مُنكِر لهذا العمل من حيث اقتصار البيعة على أكثر أهل المدينة. فكان ذلك إجماعاً من الصحابة على أن الخلافة تنعقد ممن يمثلون رأي المسلمين في الحكم، لأن أهل الحلّ والعقد وأكثر سكان المدينة كانوا هم أكثرية الممثلين لرأي الأُمة في الحكم في جميع رقعة الدولة الإسلامية حينئذٍ.
وعلى هذا فإن الخلافة تنعقد إذا جرت البيعة من الممثلين لأكثر الأُمة الإسلامية، ممن يدخلون تحت طاعة الخليفة، الذي يُراد انتخاب خليفة مكانه، كما جرى الحال في عهد الخلفاء الراشدين. وتكون بيعتهم حينئذٍ بيعة عقد للخلافة. أما مَنْ عداهم فإنه بعد انعقاد الخلافة للخليفة تصبح بيعته بيعة طاعة، أي بيعة انقياد للخليفة، لا بيعة عقد للخلافة.
هذا إذا كان هنالك خليفة مات أو عزل، ويُراد إيجاد خليفة مكانه. أما إذا لم يكن هنالك خليفة مطلقاً، وأصبح فرضاً على المسلمين أن يقيموا خليفة لهم، لتنفيذ أحكام الشرع، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، كما هي الحال منذ زوال الخلافة الإسلامية في اسطنبول سنة 1343 هجرية الموافق سنة 1924 ميلادية، فإن كل قطر من الأقطار الإسلامية الموجودة في العالم الاسلامي أهل لأن يُبايع خليفة، وتنعقد به الخلافة، فإذا بايع قطر ما، من هذه الأقطار الإسلامية خليفة، وانعقدت الخلافة له، فإنه يصبح فرضاً على المسلمين في الأقطار الأخرى أن يبايعوه بيعة طاعة، أي بيعة انقياد، بعد أن انعقدت الخلافة له ببيعة أهل قطره، سواء أكان هذا القطر كبيراً كمصر، أو تركيا، أو أندونيسيا، أم كان صغيراً كالأردن أو تونس أو لبنان. على شرط أن تتوفر فيه أربعة أمور: