الأموال، وفي إنفاقها، حسب رأيه واجتهاده. ولم ينكر على أحد منهم منكر، ولم يكن أحد غيرُ الخليفة يتصرف في قبض دينار واحد، ولا يصرفه إلا إذا أذن له الخليفة في ذلك، كما حصل في تولية عمر لمعاوية، فإنه جعل له ولاية عامة، يَقبض ويُنفِق. وهذا كله يدل على أن فصول موازنة الدولة إنما يضعها الخليفة، أو من ينيبه عنه.
هذه هي الأدلة التفصيلية على تفصيلات صلاحيات الخليفة. ويجمعها كلها ما روى أحمد والبخاري عن عبد الله بن عمر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: « ... الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته»، أي إن جميع ما يتعلق برعاية شؤون الرعية من كل شيء إنما هو للخليفة، وله أن ينيب عنه مَنْ يشاء، بما يشاء، كيف يشاء، قياساً على الوكالة.
==============
انعقاد الخلافة
الخلافة عقد مراضاة واختيار، لأنها بيعة بالطاعة لمن له حق الطاعة من ولاية الأمر. فلا بد فيها من رضا من يُبَايَع ليتولاها، ورضا المُبايعين له. ولذلك إذا رفض أحد أن يكون خليفة وامتنع من الخلافة لا يجوز إكراهه عليها، فلا يُجبَر على قبولها، بل يُعدَل عنه إلى غيره. وكذلك لا يجوز أخذ البيعة من الناس بالإجبار والإكراه، لأنه حينئذٍٍ لا يصح اعتبار العقد فيها صحيحاً، لمنافاة الإجبار لها، لأنها عقد مراضاة واختيار، لا يدخله إكراه ولا إجبار كأي عقد من العقود. إلا أنه إذا تم عقد البيعة ممن يعتد ببيعتهم فقد انعقدت البيعة، واصبح المبايَع هو وليّ الأمر، فوجبت طاعته. وتصبح البيعة له بعد ذلك من بقية الناس بيعة على الطاعة، وليست بيعة لعقد الخلافة. وحينئذٍ يجوز له أن يجبر الناس الباقين على بيعته، لأنها إجبار على طاعته، وطاعته واجبة شرعاً على الناس، وليست هي في هذه الحال عقد بيعة بالخلافة حتى يقال لا يصح فيه الإجبار. وعلى ذلك فالبيعة ابتداءً عقد لا تصح إلا بالرضا والاختيار. أما بعد انعقاد البيعة للخليفة فتصبح طاعة، أي انقياداً لأمر الخليفة، ويجوز فيها الإجبار تنفيذاً لأمر الله تعالى. ولما كانت الخلافة عقداً فإنها لا تتم إلا بعاقد، كالقضاء لا يكون المرء قاضياً إلا إذا ولاّه أحد القضاء. والإمارة لا يكون أحد أميراً إلا إذا ولاّه أحد الإمارة. والخلافة لا يكون أحد خليفة إلا إذا ولاّه أحد الخلافة. ومن هنا يتبين أنه لا يكون أحد خليفة إلا إذا ولاّه المسلمون، ولا يملك صلاحيات الخلافة إلا إذا تم عقدها له، ولا يتم هذا العقد إلا من عاقديْن أحدهما طالب الخلافة والمطلوب لها، والثاني المسلمون الذين رضوا به أن يكون خليفة لهم. ولهذا كان لا بد لانعقاد الخلافة من بيعة المسلمين.
1 - حكم المتسلط
وعلى هذا فإنه إذا قام متسلط واستولى على الحكم بالقوة فإنه لا يصبح بذلك خليفة، ولو أعلن نفسه خليفة للمسلمين، لأنه لم تنعقد له خلافة من قبل المسلمين. ولو أخذ البيعة على الناس بالإكراه والإجبار لا يصبح خليفة ولو بُويع، لأن البيعة بالإكراه والإجبار لا تعتبر ولا تنعقد بها الخلافة، لأنها عقد مراضاة واختيار لا يتم بالإكراه والإجبار، فلا تنعقد إلا بالبيعة عن رضا واختيار. إلا أن هذا المتسلط إذا استطاع أن يقنع الناس بأن مصلحة المسلمين في بيعته، وأن إقامة أحكام الشرع تحتم بيعته،