قضيت بينهما فأصبت القضاء فلك عشر حسنات. وإن أنت اجتهدت فأخطأت فلك حسنة».
وقد كان عمر رضي الله عنه يولّي ويعزل القضاة. فعيّن شريحاً قاضياً للكوفة، وأبا موسى قاضياً للبصرة، وعزل شُرَحْبيل بن حسنة عن ولايته في الشام، وولّى معاوية، فقال له شُرَحْبيل: «أَمِنْ جُبنٍ عزلتني أم خيانة؟ قال: من كل لا، ولكن أردت رجلاً أقوى من رجل». «وولى عليّ رضي الله عنه أبا الأسود، ثم عزله، فقال: لم عزلتني، وما خنت، ولا جنيت؟ فقال: إني رأيتك يعلو كلامك على الخصمين». وقد فعل عمر وعليّ ذلك على مرأى ومسمع من الصحابة، ولم ينكر على أيّ منهما منكر. فهذا كله دليل على أن للخليفة أن يعين القضاة بوجه عام، وكذلك له أن يُنيب عنه مَنْ يُعيّن القضاة، قياساً على الوكالة، إذ له أن ينيب عنه في كل ما هو مِنْ صلاحياته، كما له أن يوكّل عنه في كل ما يجوز له من التصرفات.
وأما تعيين مديري الدوائر فإن الرسول صلى الله عليه وسلم عَيّن كُتّاباً لإدارة مصالح الدولة، وكانوا بمثابة مديري الدوائر. فَعيّن المعيقيب بن أبي فاطمة الدوسي على خاتمه، كما عَيّن مُعيقيب بن أبي فاطمة على الغنائم أيضاً، وعَيّن حذيفة بن اليمان يكتب خرص ثمار الحجاز، وعَيّن الزبير بن العوام يكتب أموال الصدقات، وعَيّن المغيرة بن شعبة يكتب المداينات والمعاملات، وهكذا.
وأما قواد الجيش، وأمراء ألويته فإن الرسول صلى الله عليه وسلم عَيّن حمزة بن عبد المطلب قائداً على ثلاثين رجلاً، ليعترض قريشاً على شاطئ البحر، وعَيّن عبيدة بن الحارث على ستين، وأرسلة إلى وادي رابغ، لملاقاة قريش، وعَيّن سعد بن أبي وقاص على عشرين، وأرسله نحو مكة، وهكذا كان يُعيّن قواد الجيوش، مما يدل على أن الخليفة هو الذي يُعيّن القواد وأمراء الألوية.
وهؤلاء جميعاً كانوا مسؤولين أمام الرسول، وليسوا مسؤولين أمام أحد، مما يدل على أن القضاة، ومديري الدوائر، وقواد الجيش ورؤساء أركانه، وسائر الموظفين، ليسوا مسؤولين إلا أمام الخليفة، وليسوا مسؤولين أمام مجلس الأُمة. ولا يُسأل أحد أمام مجلس الأُمة سوى المعاونين، والولاة، ومثلهم العمال لأنهم حكام، وما عداهم لا يكون أحد مسؤولاً أمام مجلس الأُمة، بل الكل مسؤولون أمام الخليفة.
وأما الفقرة (و) فإن موازنة الدولة بالنسبة لأبواب الواردات وأبواب النفقات محصورة في الأحكام الشرعية، فلا يُجبى دينارٌ واحدٌ إلا بحسب الحكم الشرعي، ولا يُنفَق دينارٌ إلا بحسب الحكم الشرعي، غير أن وضع تفصيلات النفقات، أو ما يسمى بفصول الموازنة، فهو الذي يوكل لرأي الخليفة واجتهاده، وكذلك فصول الواردات، فمثلاً هو الذي يقرر أن يكون خراج الأرض الخراجية كذا، وأن تكون الجزية التي تؤخذ كذا، وهذه وأمثالها هي فصول الواردات، وهو الذي يقول يُنفَق على الطرق كذا، ويُنفَق على المستشفيات كذا، وهذه وأمثالها هي فصول النفقات. فهذا هو الذي يرجع إلى رأي الخليفة، والخليفة هو الذي يقرره حسب رأيه واجتهاده، وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان هو الذي يأخذ الواردات من العمال، وهو الذي كان يتولى إنفاقها، وكان بعض الولاة يأذن لهم بتسلم الأموال، وبإنفاقها كما حصل حين وَلّى معاذاً اليمن. ثم كان الخلفاء الراشدون ينفرد كلٌّ منهم بوصفه خليفة في أخذ