تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عنقه بيعة، ووصف من يموت وليس في عنقه بيعة بأنه مات ميتةً جاهلية. والبيعة في هذا الحديث لا تكون إلا للإمام أو الخليفة ليس غير، وقد روى مسلم عن أبي سعيد الخُدري عن رسول الله أنه قال: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما»، وروى مسلم أيضاً عن عرفجة قال: سمعت رسول الله يقول: «من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه»، وروى مسلم كذلك عن أبي هريرة عن النبي قال: «إنما الإمام جُنة يُقاتَل من ورائه ويُتَقى به»، وروى أيضاً عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم». فهذه الأحاديث، وغيرها كثير، فيها إخبار من الرسول بأنه سيلي المسلمين ولاة، أي حكام خلفاء، وفيها وصف للخليفة بأنه جُنَّة أي وقاية، وفيها وجوب طاعة هذا الخليفة، وقتال من ينازعه، وغير ذلك من معان، وفي ذلك كله دلالة واضحة على وحدة الخلافة، ووحدة الدولة، ووحدة المسلمين في دولة الخلافة.

3 - وأما إجماع الصحابة، فإنهم رضوان الله عليهم أجمعوا على لزوم إقامة خليفة لرسول الله بعد موته، فكان أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم أجمعين، وقد ظهر تأكيد هذا الإجماع على إقامة الخليفة من خلال تأخير دفن الرسول عقب وفاته، واشتغالهم بتنصيب خليفة للمسلمين، وفي هذا دليل صريح وقوي على وجوب نصب الخليفة.

ومن هنا فإن الخلافة بحسب ما أوردناه من أدلة شرعية تعني: رئاسة عامة للمسلمين جميعاً في الدنيا لإقامة أحكام الشرع الإسلامي، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، وهي عينها الإمامة، فالإمامة والخلافة هنا بمعنىً واحد.

هذه باختصار هي المرجعية التشريعية لنظام الحكم الإسلامي والذي هو نظام الخلافة أو الإمامة، وواضح أن أدلتها تدل دون لبس على وجود هذا النظام، ووجوب الالتزام بها، ويحرم تركها. وأما أساليب التنصيب أو المبايعة فتترك للمسلمين ليختاروا منها ما يناسبهم بحيث يحقق الطريقة ولا يتعارض معها، فاختلاف الأساليب أمر جائز، وهو يدخل في الإدارة لا في الحكم.

خامساً: إن ما دار في السقيفة من اختلاف وتنازع بين الصحابة، لم يكن يتعلق بالخلافة بوصفها فكرة وطريقة، وإنما تعلق بشخص الخليفة من يكون، وهذا جائز، وهو أمر صحي، وهو جزء من عملية الشورى والتشاور في الإسلام، وهو يجسد التطبيق العملي لفهم الصحابة رضوان الله عليهم لنظام الحكم فهماً واقعياً، لذلك لا يقال "إن الظروف كانت استثنائية وإن تعيين أبي بكر كانت فلتة" بمعنى أنه كان صدفة، لا يقال ذلك لأن كلمة فلتة هنا –إن صحَّت- فلا تعني الصدفة أو العشوائية، بل تعني اليسر، والتسهيل، والتوفيق، من الله العلي العظيم، أن حصل اختيار الخليفة الأول بمثل هذه السهولة، وهذا اليسر، وهذا التوفيق، من الله سبحانه وتعالى، خاصةً وأن الظروف كانت صعبةً جداً، بعد وفاة الرسول، فتيسرت الأمور ببيعة أبي بكر الصديق صلى الله عليه وسلم.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٤٥٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٤٥٧٩