تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما القول بأن "عمر قد تلافى تكرار هذه الفلتة بتعيينه للستة" فهذا قول منافٍ للصواب، ومجانب للحقيقة، لأن من تشاوروا في السقيفة لم يرتكبوا خطأً حتى يتلافاه عمر، ثم إن العبرة بإجماع الصحابة وليس بقول عمر، ولا بقول أي صحابي آخر.

سادساً: ذكرنا أن الخليفة هو الذي يقود المسلمين وينفذ الأحكام الشرعية عليهم بالداخل، ويحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم الخارجي عن طريق الجهاد، وبذلك فلا مجال للقول إن "وظيفة الخليفة الأساسية هي قيادتهم في الجهاد والحروب فقط"، وكذلك لا مجال للقول بأن "عدم تحديد مدة للأمير كانت بسبب عدم معرفة كم ستدوم الحروب"، لأن الخليفة في الإسلام يستمر بعمله إذا كان قادراً على القيام بأعباء الحكم حتى يموت، فلا يوجد أي دليل شرعي يدل على تحديد مدة ولايته، لا من الكتاب ولا من السنة، وبالتالي فالحكم الشرعي يعطي للخليفة ولاية غير محددة بزمن، طالما كان يملك المقدرة على الحكم.

فهذا هو الحكم الشرعي في هذه المسألة، فيحرم تحديد مدة لحكم الخليفة من ناحية شرعية، ولا يجوز للعقل بعد ذلك أن يتدخل –محاكاةً لما عند الغرب- في هذه المسألة، ويقرر التحديد بخلاف ما قرره الشرع. علاوةً على أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على عدم إنهاء حكم عثمان صلى الله عليه وسلم، بالرغم من وجود الفتنة، وإجماعهم هذا حكم شرعي. ومن التجني على سيدنا عثمان صلى الله عليه وسلم القول "إن مدة ولايته طالت حتى ملَّه الناس"، فنحن لا يجوز أن ننزلق بمثل هذه الأقوال التي لا تستند إلى حجة شرعية، فضلاً عن أن قصة الفتنة اختلطت فيها الأمور، وكثرت فيها الأقاويل، والناس بشر يخطئون ويصيبون، وكل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون، فلا داعي للخوض في فتنة لم نشهدها، وعلينا أن نمسك لساننا عنها، ولا نسلط الضوء عليها فنعتبرها القاعدة مع أنها الاستثناء.

سابعاً: أما مسألة عدم تحديد اختصاصات للخليفة فليس سببه كما ادعيّت "النموذج الذي كان يهيمن على العقل السياسي العربي آنذاك، نموذج أمير الجيش ... "، بل السبب هو ما أعطاه الشرع للخليفة من صلاحيات، فالمسالة ليست مسألة عقل عربي، بل المسألة مسالة حكم شرعي، فالرسول يقول: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته» (رواه البخاري ومسلم وغيرهما)، فجعل الرعاية محصورة بالخليفة، وهذا هو سبب عدم الحد من صلاحية الخليفة في رعاية الشئون، فالسبب شرعي، والمسالة شرعية، ولا دخل للعقل العربي، ولا لغير العقل العربي بذلك.

وبهذا الرد يمكن القول بأنه لا توجد أية ثغرات دستورية في نظام الخلافة، فهو نظام شرعي مستمد من أدلة شرعية، وهو نظام عملي، طبِّق في الماضي، ويمكن تطبيقه في الحاضر بكل يسر وسهولة، وسيطبق –بإذنه تعالى- في المستقبل، والله سبحانه وتعالى وعدنا بذلك، ووعده حق، والرسول بشَّرنا بعودة نظام الخلافة لقوله: « ... ثم تكون خلافة على منهاج النبوة».

وبعد، فلا يقال إن "الكُتاب والمؤلفين في الفكر الإسلامي المعاصر من معتدلين ومتشددين، يتجنبون الخوض في هذه القضايا، ويكتفون بطرح شعارات عامة كشعار الإسلام هو الحل"، لا يقال ذلك لأن هذه القضية قد أشبعت بحثاً، وتم الخوض في

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٤٥٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٤٥٨٠