فإن الجهاد لا يختص فاعلُه أن يكون مِن أهل القُرَبة فصح الاستئجار عليه، ومن هنا يُجعَلُ للجنود رواتب كالموظفين.
والقوى المسلحة قوة واحدة، هي الجيش، وتُختار منها فِرَقٌ خاصة تُنظَّم تنظيماً خاصاً، وتُعطى ثقافة مُعيَّنة هي الشرطة.
فالثابت أن الرسول صلى الله عليه وسلم كانت القوى المسلحة عنده هي الجيش، وأنه اختار منها قسماً يقوم بأعمال الشرطة فَجهَّز الجيش، وقاد الجيش، وعَيَّن أُمراء لقيادة الجيش. روى البخاري عن أنس: «أن قيس بن سعد كان يكون بين يَدَي النبي صلى الله عليه وسلم بمنزله صاحب الشُرَطِ مِن الأمير»، والمراد هنا قيس بن سعد بن عُبادة الأنصاري الخزرجي، وقد رواه الترمذي: «كان قيس بن سعد من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير. قال الأنصاري: يعني مما يلي من أموره». وقد ترجم ابن حبان لهذا الحديث فقال: «احتراز المصطفى من المشركين في مجلسه إذا دخلوا». وأيضاً الشرطة طائفة تتقدم الجيش. قال الأزهري: «شرطة كل شيء خِياره، ومنه الشُرَط لأنهم نُخبة الجند، وقيل هم أول طائفة تتقدم الجيش، وقيل سُموا شُرَطاً لأن لهم علامات يعرفون بها في اللباس والهيئة» وهو اختيار الأصمعي. وهذا كله دليل على أن الشُرطَة من القوى المسلحة، وأنّ الخليفة هو الذي يُعيِّن صاحب الشُرْطَة، كما يُعيِّن أمير الجيش، وأنّ الشُرطَة قسم مِن الجيش. إلا أن كون الشُرطَة قسماً مِن الجيش، أو مستقلة عنه هو من الأمور المتروكة للخليفة، ولكن يُفهم من الحديث أن صاحب الشرطة يُعيّن لدفع ما يَرِد على الإمام، ومثله ما يرد على الحاكم، أي يكوّن قوى مسلحة، مستعدة لتنفيذ أمر الإمام أو الحاكم فيما يحتاجه من تنفيذ، ولدفع ما يُخشى أن يَرِدَ إليه من سوء، ويُفهَم من اللغة أن الشُرطَة كذلك فِرقة مِن الجيش لها علامة تتقدم الجيش. أمّا الشُرطَة التي تتقدم الجيش، ولعلها شُرطَة الجيش فلا شك أنها جزء من الجيش. ولكن الشُرطَة التي تكون بين يَدَي الحكام ليس هناك ما يدل على أنها جزء من الجيش، فإن عملها أن تكون بين يَدَيِ الحاكم، ولكن هناك ما يدل على أنها من القوى المسلحة التي للدولة، فيجوز للخليفة أن يجعلها جزءاً من الجيش، ويجوز أن يجعلها منفصلة عنه. غير أنه لما كانت القوى المسلحة واحدة من حيث تعيين الخليفة لها، وارتباطها به، وتلقيها الأمر منه، فإن تقسيمها إلى أقسام جيش وشرطة يؤدي إلى إضعاف وحدة التسلح فيها، بانشغال الشرطة دائماً في الأعمال العادية بين يدي الحكام، لذلك كان الأفضل أن تكون واحدة، حتى تظل وحدة التسلح قوية فيها كلها، باتباعها أنظمة واحدة فيما يتعلق بالإعداد للجهاد. لهذا كانت القوى المسلحة هي الجيش تُختَار منها فِرَقٌ لتقوم بأعمال الشُرطَة، وتظل جزءاً مِن الجيش، ثم بعد مدة تُغيَّر هذه الفِرَق فَتُعاد للجيش، وتُختَار فِرقٌ غيرها حتى تظلَّ قُدَرة الجيش كله على خوض معارك الجهاد واحدة، ومستعدة كل وقت.
ويعهد إلى الشرطة بحفظ النظام، والإشراف على الأمن الداخلي، والقيام بجميع النواحي التنفيذية، لحديث أنس المار في جعل النبي قيسَ بن سعد بين يديه بمنزلة صاحب الشُرطَة، فإنه يدل على أن الشُرطَة يكونون بين يَدَيِ الحكام، ومعنى كونهم بين يديهم هو قيامهم بما يحتاجه الحكام من قوة التنفيذ، لتنفيذ الشرع، وحفظ النظام،