وقال (:"إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث" [متفق عليه].
وعليه أن يقضي بما اطمأنت به نفسه، فإن البر فيه. قال (:"البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب" [الدارمي وأحمد].
ولا يحل للقاضي كذلك أن يتباطأ في فصل القضاء، وإنفاذ الحكم لمن ظهر له الحق.
وللقاضي أن يستعين بالوسائل العلمية التي تيسر له الوصول إلي الحقيقة، كتقرير المعمل الجنائي، أو الطبيب الشرعي أو غير ذلك، فقديمًا كان يحكم بالقافة (معرفة الأنساب من الأقدام) فقد روي أن مجزر المدلجي مر علي زيد بن حارثة وولده أسامة وقد غطيا بثوب، فأخفيا رأسيهما وظهرت أقدامهما. وكان زيد بن حارثة أبيض البشرة، بينما كان ولده أسامة أسود، فقال مجزر: هذه أقدام بعضها من بعض، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال.
وإذا كان القاضي يعلم الحقيقة، كأن كان قد شاهد الواقعة، أو سمع صاحبها يتحدث بها؛ وجب عليه أن يقضي بما يعلم.
فإن رفض الطرفان الصلح؛ لجأ إلي القضاء والحكم بينهما فيما اختلفا فيه. فعن كعب بن مالك: أنه تقاضي ابن أبي حدرد دينًا له عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كشف سجف (ستر) حجرته، ونادي: "يا كعب بن مالك، يا كعب قال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ضع الشطر من دينك. قال كعب: قد فعلت يا رسول الله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن أبي حدرد: "قم فاقضه" [البخاري].
ويصح للقاضي أن يقضي علي الغائب في الحقوق المدنية متي ثبتت الدعوي. فقد صح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة أن تأخذ من مال أبي سفيان بغير إذن، وهنا حكم علي غائب.
وحكم القاضي لا يحرم الحلال، ولا يحلل الحرام، فإن جاء المدعي ببينة كاذبة فاحتال بها علي القاضي فحكم له من حق المدعي عليه، فإن هذا الشيء المحكوم له به لا يصبح حلالا، ولا يجوز له الانتفاع به فهو ليس من حقه، فعن أم سلمة -رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي علي نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" [رواه الجماعة].
ولو اكتشف القاضي كذب المدعي، عاد الأمر كما كان، ولابد من البينة علي المدعي أو اليمين علي من أنكر، إلا أن يأتيه المدعي عليه بالبينة.
ويجوز للقاضي المسلم أن يحكم بين يهوديين أو نصرانيين- أو بين يهودي ونصراني. قال تعالي: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين﴾ [المائدة: 42]. ويشترط عليه أن يحكم بينهم بأحكام المسلمين.
قال صلى الله عليه وسلم: "لاحسد إلا في اثنتين؛ رجل آتاه الله مالا فسلطه علي هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" [أحمد].