لمنصف ان يعترض على عقوبة القصاص الشرعية، والنظر السديد يؤيدها والواقع يشهد بصحتها وبكفايتها للزجر والردع وأثرها في حفظ حياة الناس وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾ سورة البقرة الآية: 179.
ولا بد هنا من الاشارة الى أن هذا الحجاج والمناقشة إنما يساقان على سبيل التنزل واسكات المعترض بنفس اعتراضه، وإلا فان المؤمن بالله وباليوم الآخر وبدين الاسلام لا يجوز له الاعتراض على شرع الله لأن الاعتراض عليه نوع من الارتداد عن دين الاسلام، وان من شرط الايمان الحكم بما شرعه الله والرضى به، قال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ سورة النساء الآية: 65.
415 - وأما اعتراضهم في الدية وانها تحميل لغير الجاني وان هذا يناقض مبدأ قصر المسؤولية على من قام فيه سببها، فالجواب أن مبدأ قصر المسؤولية على من قام فيه سببها المستفاد من قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ سورة فاطر الآية: 18، مبدأ قائم في الشريعة غير مسنوخ ولا معطل، وليس في تشريع الدية مناقضة له أصلا، لأن ايجاب الدية على العاقلة في القتل الخطأ، إنما كان بناء على التعاون والمواساة، لأن المخطئ من حقه أن يعان، وان أولى من يعينه أهله واقرباؤه من عصبته الذين يرثونه بعد موته، فمن باب الغنم بالغرم وجب عليهم مواساته والاشتراك معه في الدية، وفي هذا الاشتراك تسهيل على أهل المجني عليه الظفر بالدية لأن مبلغها كبير وامكان ادائها من الجاني ضعيف، في حين ان تحميل العاقلة بها سيجعل ما يصيب الواحد منهم مبلغاً يسيراً يسهل عليه اداؤه فيسهل على أهل القتيل الظفر به كما قلنا. وقد ذهب بعض الفقهاء الى تعليل آخر في وجوب الدية على العاقلة خلاصته أن عصبة القاتل خطأ مان عليهم أن يراقبوه ويوجهوه لئلا يقع في الرعونة والطيش فيقتل غيره خطأ، فاذا لم يفعلوا ذلك كان خطأ منهم وتقصيراً في واجبهم في مراقبة بعضهم بعضاً فيتحملون جزاء تقصيرهم بتحميلهم الدية مع الجاني.
الخلاصة
والخلاصة أن نظام الجزية والعقوبة نظام عادل قام على أسس متينة واحاطة تامة بما يصلح له أمر الناس، وبمراعاة غرائز الناس، مما يؤدي الى قمع أو تقليل الاجرام فيهم، مع عدالة تامة في تقدير العقوبة وجعلها بقدر الجريمة، وفي تطبيق العقوبة على الجميع. وقد رأينا تهافت اعتراضات المعترضين على الحدود والقصاص والديات، أما التعزير فاعتراضهم عليه قليل جداً، بل إن نظام التعزير مما انفردت به الشريعة الاسلامية، وهو احدث ما ينادي به في الوقت الحاضر علماء القانون الجنائي. وإذا علمنا ان نطاق العقوبات التعزيرية أوسع بكثير من نطاق الحدود والقصاص علمنا مدى متانة القانون الجنائي الاسلامي وامتيازه على ما سواه من القوانين الوضعية، ووفائه بحاجات الناس وقيامه بتوفير الأمن والاطمئنان لهم مما لا يجاريه في ذلك، ولا يقاربه فيه أي قانون وضعي، وهذا من بعض دلائل تنزل شرعة الاسلام من الله جل جلاله.