وقد تبلغ عقوبته الاعدام، الا يرى ان من تعاقد مع الدولة لتوريد الطعام لافراد الجيش ثم أخل بالتزامه عمداً في حالة احتياج الجيش للارزاق أن جزاءه قد يصل الى الاعدام؟ الثاني: ان المرتد مع اخلاله بالتزامه يقوم بجريمة أخرى هي الاستهزاء بدين الدولة والاستخفاف بعقيدة سكانها المسلمين، وتجريء لغيره من المنافقين ليظهروا نفاقهم، وتشكيك لضعاف العقيدة في عقيدتهم، وهذه كلها جرائم خطيرة يستحق معها المرتد استئصال روحه وتخليص الناس من شره. وإنما قلنا: إن المرتد من يرتكب هذه الامور، لأنه لا يعرف ارتداده إلا بالتصريح وإلا لو اخفى ردته لما عرف. ومع هذا فقد قلنا: إنه يمهل ثلاثة أيام لاعطائه فرصة الرجوع عن ردته، وهذا الامهال واجب عند كثير من الفقهاء فهل يمكن بعد هذا ان يقال: عقوبة الردة قاسية أو أن فيها اكراهاً على تبديل العقيدة أو أن فيها تدخلا في حرية العقيدة؟
414 - وأما قولهم: إن العقوبة في جريمة القتل، هي القصاص، اعتبرت حقاً لأولياء القتيل لا للمجتمع مع أن القتل يهم المجتمع ويعتبر اعتداء عليه فيكون العقاب حقه لا حق أولياء القتيل، فهذا القول هزيل وسطحي، فاولا ان للمجتمع حقه في هذه العقوبة، ولهذا إذا عفا أولياء القتيل عن القاتل جاز للقاضي أن يحكم عليه بعقوبة تعزيرية بالسجن أو بالضرب أو بهما. وفي هذا يقول ابن فرحون المالكي: "إذا عفي عن القاتل العمد على الدية فان على القاتل الدية ويستحب له الكفارة ويضرب مائة ويحبس سنة" [40] لأن حق اولياء القتيل في القصاص هو الغالب أي أغلب من حق المجتمع فيه، ومن ثم كان لهم العفو عنه، كما كان لهم طلبه، وإذا طلبوه لم يسع القاضي ان يعفو عنه بل ولا لرئيس الدولة أن يعفو عن القاتل ما دام يمكن لأحد ان يتصرف فيه بغير رضاهم. أما في القوانين الوضعية فالنظرة تختلف، لأن هذه القوانين تجعل عقوبة القاتل من حق المجتمع لا من حق أهل القتيل، وبالتالي فلا يترتب على عفوهم عنه اسقاط العقوبة، كما أن للمجتمع ممثلا برئيس الدولة أو غيره، ان يعفو عن القاتل، أو يبدل عقوبة الاعدام بغيرها. والنظرة الفاحصة في جريمة القتل العمد تبين ان ضرر هذه الجريمة يقع اولا وبصورة مباشرة على المجني عليه وأهله، فهم الذين اكتووا بنار هذه الجريمة ولحقهم الأذى والضرر المباشر بفقدهم عزيزهم، وان ضررهم هذا والمهم وأذاهم أشد وأكثر بكثير من تضرر المجتمع وأذاه وألمه، فمن الطبيعي والعدل ان يكون حقهم في القصاص من الجاني اغلب من حق المجتمع، ثم ان في تمكينهم من القصاص حسماً للجريمة واطفاء لنار الغضب وطلب الثأر في نفوسهم، وفي الحيلولة بينهم وبين ذلك ابقاء لجذور الجريمة فقد يندفع أهل القتيل لقتل الجاني بعد حبسه، كما يحدث هذا كثيراً، ويقال أيضاً: إن في القصاص من القاتل واعطاء حق القصاص لاهل القتيل ردعاً مؤثراً وزجراً كافياً لمن تسول له نفسه ازهاق روح البريء لأن الإنسان يحب ذاته ويحرص عليها ويخاف من فواتها، فينزجر عما يؤدي الى ذلك إذا ما علم أن القصاص من حق اولياء القتيل وأنه لا يمكن للقاضي، ولا رئيس الدولة العفو عنه إذا ما طلب أهل القتيل القصاص منه. ولهذا كله رأينا أن جرائم القتل قليلة يوم كان نظام القصاص الشرعي هو المطبق السائد في البلاد الاسلامية، وان جرائم القتل ازدادت ولا تزال في ازدياد عندما نحيت عقوبة القصاص الشرعية، فيكف بعد هذا يمكن