والخلق وطهارة المجتمع غير مرغوبة فوسائلها غير مرغوبة، وهذا ما يقرره ضمناً المعترضون على العقوبات الشرعية. فالخلاف إذن في المحافظة على هذه الاغراض، الاسلام يقول لا بد من المحافظة عليها ومن ثم أوجب التشدد على من يريد تلويث المجتمع وتفويت هذه الاغراض المهمة الشريفة عليه.
411 - أما ادعاؤهم بأن هذه العقوبات تتضمن التدخل في الحرية الشخصية كما في الزنى وشرب الخمر، فمردود لأن الحرية الشخصية لا يجوز أن تؤدي الى الاضرار بالمجتمع، فالحرية الشخصية تقف حيث تكون اداة ضرر وهدم في المجتمع، ولا يمكن لمنصف أن يقول إن زنى الزاني نفع للمجتمع، فأضراره أوضح من أن نتكلم عنها في هذا المقام. أما بالنسبة لشرب الخمر، فان عقل الانسان جوهرة ثمينة لا يجوز تعطيلها اختياراً فيكفي الانسان تعطيل عقله اضطراراً في النوم، فضلاً عما في شرب الخمر من تسهيل سبل الاجرام للسكران كما هو واضح ومعروف، والدولة مسؤولة عن منع الاجرام في اقليمها وسد سبله.
412 - أما ادعاؤهم بقسوة بعض العقوبات لما فيها من بتر وقطع بعض الاعضاء فانهم قد فاتهم مدى ترويع السارق وقاطع الطريق للآمنين، كان عليهم أن يتصوروا فعل السارق وهو يسير في جنح الظلام على رؤوس أقدامه فينقب الجدار ويكسر القفل ويدخل على الآمنين في بيوتهم من نساء وأطفال ورجال، وبيده السلاح يزهق روح من يقاومه، فيأخذ المتاع من البيت ويخرج، وربما يستيقظ أهل الدار فيحصل القتل أو الفزع والهلع. فهم لو تصوروا فظاعة جرم السارق لما أسفوا على قطع يده الآثمة الخبيثة. ومثل هذا يقال عن قطاع الطرق الذين يتربصون بالمارة ويهاجمونهم ويسلبونهم أموالهم وأرواحهم. ثم يقال: إن العقوبة يجب أن يكون فيها قدر كاف من الردع والزجر، ولا شك أن قطع يد السارق او المحارب فيه هذا المقدار، أما غيرهما من العقوبات الوضعية كالحبس والغرامات فلا تملك هذا القدر من الردع، ودليل ذلك الواقع فان جرائم السرقة بازدياد ولم تقللها عقوبة الحبس. بل إن السجن صار نزلا لاصحاب السوابق يترددون اليه ويعتبرونه مأوى أميناً لهم بل ومحلا للقائهم وتبادل خبراتهم في عالم السرقة والاجرام.
413 - أما قولهم: إن عقوبة الردة بقتل المرتد تدخل في حرية العقيدة ومصادرة لها واكراه للانسان على اعتقاده ما لا يريد، فهذا القول مأخذه الجهل في طبيعة هذه العقوبة، ومعنى الردة، ومعنى الاكراه على تبديل الدين. فالردة كما قلنا الرجوع عن الاسلام، أي ان مسلماً يرجع عن اسلامه، فنحن اذن إزاء مسلم ارتكب جرماً معيناً يسمى "الردة" ولسنا أمام رجل يهودي أو نصراني نكرهه على تبديل عقيدته، ومبدأ لا اكراه في الدين مقرر في الشريعة الاسلامية وفي نص القرآن الكريم، ولا يجوز المساس به، بدليل واضح ان الاسلام شرع الجزية، والجزية اقرار لغير المسلم على دينه، فلو كان هناك اكراه على تبديل عقيدة غير المسلم وتحويله بالجبر عن عقيدته لما شرعت الجزية.
أما سبب عقوبة المرتد وجعلها القتل فيرجع الى أمرين خطيرين: الأول: ان المسلم بردته أخل بالتزامه، لأن المسلم باسلامه يكون قد التزم أحكام الاسلام وعقيدته فاذا ارتد كان ذلك منه اخلالاً خطيراً في اصل التزامه، ومن يخل بالتزامه عمداً يعاقب،