المريض حين يهدم من صاحبه -يهدم في الكون بصاحبه؛ ففيها أيضا القانون الآخر الذي يجعل الفكر الصحيح السامي حين يبني من أهله- يبنى في الكون بأهله.
قال العجوز "ن": زعموا أن أحد سلكي الكهرباء كان فيلسوفا مجددا، فقال للآخر: ما أراك إلا رجعيا؛ إذ كنت لا تتبعني أبدا ولا تتصل بي ولا تجري في طريقتي؛ ولن تفلح أبدا إلا أن تأخذ مأخذي وتترك مذهبك إلى مذهبي. فقال له صاحبه: أيها الفيلسوف العظيم، لو أني اتبعتك لبطلنا معا فما أذهب فيك ولا تذهب في؛ وما علمتك تشتمني في رأيك إلا بما تمدحني به في رأيي.
قال العجوز: وهذا هو جوابنا إذا كنا رجعيين عندهم من أجل الدين أو الفضيلة أو الحياة أو العفة إلى آخرها وإلى آخره؛ ونحن لا نرى هؤلاء المجددين عند التحقيق إلا ضرورات من مذاهب الحياة وشهواتها وحماقاتها تلبست بعض العقول كما يتلبس أمثالها بعض الطباع فتزيغ بها؛ وللحياة في لغتها العملية مترادفات كالمترادفات اللفظية: تكون الكلمتان والكلمات بمعنى واحد، فالمخرب والمخرف والمجدد بمعنى!
كل مجدد يريد أن يضع في كل شيء قاعدة نفسه هو، فلو أطعناهم لم تبق لشيء قاعدة.
قال الأستاذ "م" إن هذه الحياة الواحدة على هذه الأرض يجب أن تكون على سنتها وما تصلح به من الضبط والإحكام، والجلب لها والدفع عنها والمحافظة عليها بوسائلها الدقيقة الموزونة المقدرة، والسهلة في عملها الصعبة في تدبيرها؛ فعلى نحو مما كانت الحياة في بطن الأم يجب أن نعيش في بطن الكون بحدود مرسومة وقواعد مهيأة وحيز معروف؛ وإلا بقيت حركات هذا الإنسان كحركات الجنين؛ يرتكض ليخرج عن قانونه، فإن استمر عمله ألقى به مسخا مشوها من جسد كان يعمل في تنظيمه، أو قذف به ميتا من جسم كان كل ما فيه يعمل لحياته وصيانته.
هذا الجسم كله يشرع للجنين ما دام فيه، وهذا الاجتماع كله يشرع للفرد ما دام فيه؛ فكيف يكون أمر من أمر إذا كان الجنين مجددا لا يعجبه مثلا وضع القلب ولا يرضيه عمل الدم، ولا يريد أن يكون مقيدا؛ لأنه حر.
انظر إلى هذا الشرطي في هذا الشارع يضرب مقبلا ليدبر، ومدبرا ليقبل، وقد ألبسته الحكومة ثيابا يتميز بها، وهي تتكلم لغة غير لغة الثياب، وكأنها تقول: