تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نوع شذي من العطر، طيب الشميم، عاصف النشوة، حاد الرائحة؛ لكأنه ينشر في الجو روضة قد ملئت بأزهاره تشم ولا ترى؟ وإنه ليجعل الزمن نفسه عبقا بريحه, وإنه ليفعم كل ما حوله طيبا، وإنه ليسحر النفس فيتحول فيها.

وهنا ضحكت وقطعت علي الكلام قائلة: يظهر لي أن "عطر كذا" هاجر أو مخاصم.

قلت: كلا، بل خرج من الدنيا وما انتشقت أرجه مرة إلا حسبته ينفح من الجنة.

فما أسرع ما تلاشى من وجهها الضحك وهيئته، وجاءت دمعة وهيئتها, ولمحت في وجهها معنى بكيت له بكاء قلبي.

جمالها، فتنتها، سحرها، حديثها، لهوها؛ آه حين لا يبقى لهذا كله عين ولا أثر، آه حين لا يبقى من هذا كله إلا ذنوب، وذنوب، وذنوب!

وأردنا أنا و"ح" بكلامنا عن الحب وما إليه، ألا نوحشها من إنسانيتنا، وأن نبل شوقها إلى ما حرمته من قدرها قدر إنسانة فيما نتعاطاه بيننا. والمرأة من هذا النوع إذا طمعت فيما هو أغلى عندها من الذهب والجوهر والمتاع؛ طمعت في الاحترام من رجل شريف متعفف، ولو احترام نظرة، أو كلمة. تقنع بأقل ذلك وترضى به؛ فالقليل مما لا يدرك قليله، هو عند النفس أكثر من الكثير الذي ينال كثيره.

ومثل هذه المرأة، لا تدري أنت: أطافت بالذنب أم طاف الذنب بها؟ فاحترامها عندنا ليس احتراما بمعناه، وإنما هو كالوجوم أمام المصيبة في لحظة من لحظات رهبة القدر, وخشوع الإيمان.

وليست امرأة من هؤلاء إلا وفي نفسها التندم والحسرة واللهفة مما هي فيه، وهذا هو جانبهن الإنساني الذي ينظر إليه من النفس الرقيقة بلهفة أخرى، وحسرة أخرى، وندم آخر. كم يرحم الإنسان تلك الزوجة الكارهة المرغمة على أن تعاشر من تكرهه، فلا يزال يغلي دمها بوساوس وآلام من البغض لا تنقطع! وكم يرثي الإنسان للزوجة الغيور، يغلي دمها أيضا ولكن بوساوس وآلام من الحب! ألا فاعلم أن كل من مثل هذه الحسناء تحمل على قلبها مثل هم مائة زوجة كارهة مرغمة مستعبدة، يخالطه مثل هم مائة زوجة غيور مكابدة منافسة؛ ولقد تكون المرأة منهن في العشرين من سنها وهي مما يكابد قلبها في السبعين من عمر قلبها أو أكثر.

وهذه التي جاءتنا إنما جاءتنا في ساعة منا نحن لا منها هي، ولم تكن معنا لا في زمانها ولا في مكانها ولا في أسبابها، وقد فتحت الباب الذي كان مغلقا في

وحي القلم · الجزء ١ · الصفحة ٢٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي القلمج ١ · ص ٢٥٠