تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عنه من الحكومة أولاً، ومن الأمة ثانياً إن لم يكن بارتداد الداخلين في حوزة تلك الحكومة باعتبارهم أفراداً فباعتبارهم جماعة، وهو أقصر طريق إلى الكفر (1) من ارتداد الأفراد؛ بل إنه يتضمن ارتداد الأفراد أيضاً لقبولهم الطاعة لتلك الحكومة المرتدة التي ادعت الاستقلال لنفسها بعد أن كانت خاضعة لحكم الإسلام عليها. وما الفرق بين أن تتولى الأمر في البلاد الإسلامية حكومة مرتدة عن الإسلام وبين أن تحتلها حكومة أجنبية عن الإسلام (2).؛ بل المرتد أبعد عن الإسلام من غيره وأشد، وتأثيره الضار في دين الأمة أكثر، من حيث أن الحكومة الأجنبية لا تتدخل في شؤون الشعب الدينية، وتترك لهم جماعة فيما بينهم تتولى الفصل في تلك الشؤون، ومن حيث أن الأمة لا تزال تعتبر الحكومة المرتدة عن دينها من نفسها فترتد هي أيضاً معها تدريجياً، إن لم نقل بارتدادها معها دفعة باعتبارها مضطرة في طاعة الحكومة، ومن حيث أن موقفها الاضطراري تجاه حكومة تأخذ سلطتها وقوتها من نفس الأمة ليس كموقفها الاضطراري تجاه حكومة لها قوة أجنبية مثلها ... لكن البلاد الإسلامية عامة ومصر خاصة مباءة اليوم لفئة تملكوا أزِمَّة النشر والتأليف ينفثون من أقلامهم سموم الإلحاد ... لأن القول في فصل الدين عن السياسة معناه ادعاء عدم لزوم الدين للحكومة ... فليس معنى تجويز فصل الدين عن السياسة إلا تجويز تجريد الحكومة عن الدين، وهل يجوز في حق الحكومة هذا التجرد الذي لا يجوز في حق الأمة؟ إلا أن الراغبين في تجريد الحكومة من الدين يسمونه فصل الدين عن السياسة تخفيفاً لخطره وسوء تأثيره في سمع الأمة المتدينة، فهم يتوسلون إلى القضاء على دين الحكومة بأن يعبروا عن هذا القضاء بالفصل بين الدين والسياسة، ثم يتوسلون بالقضاء على دين الحكومة إلى القضاء على دين الأمة ... أما مجاهرة الخروج عن رقابة الإسلام، ومحاولة عزله عن السياسة .. لأنه إعلان حرب من الحكومة على الإسلام ... ثم يعتبر ذلك إعلاناً من الأمة أيضاً ... لتمردها على متبوعها، وخروجها عن طاعته] (3).

28 - قال محمد زاهد الكوثري. (وكيل المشيخة الإسلامية في الخلافة العثمانية: [وأحكام الشرع هي ما فهمه الصحابة والتابعون وتابعوهم من كتاب الله وسنة رسوله على موجب اللسان العربي المبين وعمل الفقهاء إنما هو الفهم من الكتاب والسنة وليس لأحد سوى صاحب الشرع دخل في التشريع ومن عد الفقهاء كمشرعين وجعلهم أصحاب شأن في التشريع فقد جهل الشرع والفقه في آن واحد] (4).

وقال: [إن ولي الأمر لا شأن له في التحليل والتحريم كيف وقد قال فقهاء زماننا من قال لسلطان زماننا "عادل" فقد كفر حيث يكون اعتقد الظلم عدلا] (5).

وقال: [فمن حاول نسخ حكم من أحكام الشرع بإقامة غيره مقامه حاول بعمله هذا أن يفضل عقله على علم الله سبحانه حيث عد رأيه أصلح من شرع الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ... ومن

(1) - ومن البلية أن الحركات التي تثار في الأزمنة الأخيرة وترمي إلى محاربة الإسلام في بلاده بأيدي أهله والتي لا شك أنه الكفر وأخبث أفانين الكفر يباح فعلها لفاعليها، ولا يباح تسميتها باسمها لمن عارض تلك الحركات، وحارب المحاربين، ثم إن محاربة الإسلام ومحاربة المحارب تجريان في مصر التي يقال عنها زعيمة العالم الإسلامي في أسلوب عجيب مبهم ناشئ من خبث نوايا المحاربين، ومن ضعف مركز المعارضين. (الهامش للشيخ مصطفى صبري).

(2) - وقد قلنا في مقدمة الكتاب إن مدار الفرق بين دار الإسلام ودار الحرب على القانون الجاري وأحكامه في تلك الديار، كما أن فصل الدين عن السياسة معناه أن لا تكون الحكومة مقيدة في قوانينها بقواعد الدين. (الهامش للشيخ مصطفى صبري)

(3) - موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين، (4/ 281) وما بعدها.

(4) - مقالات الكوثري ص 92

(5) - المصدر السابق، ص 106

محمد عمارة والرواد · الصفحة ٢٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

محمد عمارة والروادص ٢٦٥