أثار الطير من أوكارها لينظر أي وجه تسلك ، وإلى أي ناحية تطير ، فإن طارت ذات اليمين خرج لسفره ومضى لأمره ، وإن أخذت ذات الشمال رجع ولم يمض ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقروها في أماكنها ، وأبطل ذلك من فعلهم كما أبطل الاستسقام بالأزلام .
وقال آخرون : بل هذا تصحيف من الرواة ، وخطأ منهم ، ولا نعرف ' المكنات ' إلا اسما لبيض الضباب دون غيرها . قالوا ونرى أن راوي ذلك سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أقروا الطير في وكناتها ' ، بالواو . وقالوا : و ' وكنات الطير ' ، مواضع عشها ، وحيث تسقط عليه من الشجر وتأوي إليه ، واستشهدوا لقولهم ذلك ببيت امرئ القيس بن حجر :
وقد أغتدي والطير في أكناتها بمنجرد قيد الأوابد هيكل
والصواب من القول عندي في ذلك غير ما قال هؤلاء .
وذلك أنا إن وجهنا ذلك إلى ما قاله من زعم أن معنى ' مكناتها ' ، أمكنتها ، خرجنا عن المعروف من كلام العرب ، وذلك أنا لا نعلم في كلامهم أنه يقال للأمكنة ' مكنة ' .
/ وإن وجهناه إلى ما قاله من زعم أنه عنى بالمكنات ، بيضها ، دخلنا أيضا في نحو الذي أنكرنا من الخروج عن المعروف من كلام العرب ، وذلك أنه لا تعرف ' المكنات ' ، إلا للضباب في كلام العرب ، فأما الطير فلم يسمع بالمكنات .