بالكتاب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حاطب فأتاه فقال له : (هل تعرف الكتاب ؟) قال : نعم . قال : (فما حملك على ما صنعت) فقال : يا رسول الله والله ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ نصحتك ، ولا أجبتهم منذ فارقتهم ، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته وكنت غريباً بينهم ، وكان أهلي بين ظهرانيهم ، فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يداً .. ، فصدّقة رسول الله وعذره فنزلت هذه السورة ، فقام عمر بن الخطاب فقال : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( وما يدريك يا عمر ، لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )(1) (2) .
والتصحيح في شأن هذه الحادثة هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عاتب حاطب بن أبي بلتعة فاعتذر له بعذر قبله النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ونزلت هذه الآيات فيها النهي الشديد عن موالاة الكفار من المشركين وغيرهم ، وإلقاء المودة إليهم وأن ذلك منافٍ للإيمان . وقال الله تعالى ﴿ ? ? ? ...﴾ أي اعملوا بمقتضى إيمانكم من ولاية من قام بالإيمان ومعاداة من عاداه(3).
و حاطب بشهادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد صدق القوم حيث قال عليه الصلاة والسلام : ( لقد صدقكم ) قال الإمام ابن هبيرة(4) رحمه الله : « وفيه أن المؤمن إذا أخطأ، واستبان له الخطأ أن لا يتبع خطأه بأن يجحد ويناكر عليه ، بل يقذف بذلك ولا يجمع بين معصيتين في الخطأ والجحد ، كما أنه يتعيّن على كل مخطئ إذا تيقّن خطأه في شيء أن يقلع عنه حالة تيقنه ذلك
(1) باختصار من أسباب النزول للواحدي ص 346 وما بعدها .
(2) أخرجه البخاري – كتاب التفسير باب ﴿ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ رقم ( 4980 ) وغيره من المواضع ، ومسلم كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أهل بدر وقصة حاطب رقم ( 2494 ) ، وغيره من المواضع .
(3) بتصرف من تيسير الكريم الرحمن ص 855 .
(4) هو : أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد الشيباني ، عون الدين الوزير ، الإمام المشهور ، ولد سنة ( 499 ) ، بالسواد ، دخل بغداد شاباً ، وطلب العلم ، وتفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، وسمع الحديث ، وقرأ القراءات ، وشارك في الفنون ، وصار من فضلاء زمانه ، ترقى في المناصب ، حتى صار وزيراً له مصنفات ، منها : الإفصاح عن معاني الصحاح ، كتاب العبادات . مات بسم سقاه إياه طبيبه ، في الثالث عشر من جماد الأولى سنة ( 560 هـ ) ( انظر ترجمته في : سير أعلام النبلاء : 20/426، شذرات الذهب :
2 / 191 )