يقول ابن حجر رحمه الله : « وإنما استحقوا الدعاء حينئذً لِماَ أقدموا عليه من الاستخفاف به - صلى الله عليه وسلم - حال عبادة ربه .. وفيه جواز الدعاء على الظالم » (1).
إذن فالدعاء على المخطئ – وخصوصاً المعاند والكافر – هو من منهج تصحيح الأخطاء الذي اتبّعه النبي - صلى الله عليه وسلم - وسنّه لأمته عامة ، وللدعاة ومصحِّحي الأخطاء خاصة ، صلوات الله وسلامه عليه .
3- وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أن رجلاً أكل عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشماله ، فقال : ( كُل بيمينك ) قال : لا أستطيع . قال : ( لا استطعت ) ما منعه إلا الكبر ، قال : فما رفعها إلى فيه (2).
قال النووي رحمه الله : « وفي هذا الحديث جواز الدعاء على من خالف الحكم الشرعي بلا عذر » (3).
فهذا الرجل استحق هذه العقوبة بسبب كبره ، وعناده ، وجاءت هذه العقوبة – شلل يده – بعد أن دعا عليه الرسول عليه الصلاة والسلام بسبب خطئه وتكبره(4) .
* * *
المبحث الرابع : التوبيخ
والتوبيخ : مأخوذ من وبّخه توبيخاً ، أي لامه ، وعذله ، وأنّبَهُ ، وهدّدَه(5) .
إذن فهو اللوم والعتاب على شيء بدر من المخطئ استحقَّ عليه ذلك .
والتوبيخ يعتبر من مناهج التصحيح ، وجنس من أجناس التعزير(6)، حيث أن التعزير أجناس « فمنه ما يكون بالتوبيخ ، والزجر بالكلام » (7).
وقد يتعدى التعزير إلى الحبس ، والضّرب ، وغير ذلك مما يراه إمام المسلمين ، أو من يتولى شؤونهم كالقاضي ، والحاكم ، وغيرهم . والقائم بالتوبيخ لا يَعدل إليه ، إلا إذا لم ينفع مع المخطئ اللِّين والرِّفقُ ، ولم تنفع معه الموعظة الحسنة ولم يُجْدِ معه الهجر ولا الدعاء عندئذ يُصار إلى التّوبيخ ، ثم الضّرب – كما سنذكر لاحقاً بمشيئة الله – ، وكذلك ينبغي للمصّحِّح أن لا يسترسل في التعنيف والتوبيخ ، فيطلق لسانه بما لا يحتاج إليه(8) من بذيء الكلام وقبيحه .
بل عليه الاقتصار على أقل الألفاظ إذا أدَّى ذلك الغرض المطلوب ، وهو إعلام المخطئ بخطئه ، وتركه ذلك الخطأ ، ورجوعه إلى الصواب ، وقد استخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا المنهج – وهو التّوبيخ – في عدة مواطن ، بيّن من خلالها أهمية استخدامه ، وأنّ هناك من الناس من لا ينفع معه إلا أن يوبّخ على فعله ، فيرتدع ، وينقاد إلى جادة الصواب ، ومن الأمثلة على استعمال التوبيخ في مجال تصحيح الأخطاء ما يلي:
1- روى البخاري ومسلم من حديث واصل الأحدب عن المعرور قال : لقيتُ أبا ذرّ بالرَّبذه ، وعليه حلَّةُ ، وعلى غلامه حلَّةُ ، فسألته عن ذلك ، فقال : إني ساببتُ رجلاً فعّيرتُهُ بأمِّهِ ، فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( يا أبا ذرٍّ ، أعيّرته بأمِّه ؟ إنك امرؤٌ فيك جاهلية ، إخوانكم خولكم ، جعلهم الله تحت
(1) فتح الباري : 1 / 420 .
(2) تقدم تخريجه ص 135 .
(3) شرح صحيح مسلم للنووي 5 / 167 .
(4) راجع المبحث الثاني من الفصل الثاني في الباب الأول .
(5) انظر القاموس المحيط مادة ( وبّخه ) ص 335 .
(6) التعزير هو العقوبة المشروعة على جناية لا حدَّ فيها ، وهو تأديب دون الحد .( التعريفات للجرجاني ص 85 ) وانظر مجموع فتاوى ابن تيميه 35 / 402 .
(7) الحكمة في الدعوة إلى الله : القحطاني ص 558 .
(8) انظر : الترهيب في الدعوة : د. رقية نياز ص 86 .