عن الشورى، ولكن اعتمد فيه المسكين على الواقع، فهو درسها تاريخيًا من خلال أثر الواقع لأن الرجل لما هاجر من العراق إلى إيران -وهو عراقي-، ويقول: من الفضائل التي تحقّقت لأني ذهبت إلى إيران وفيها كل المراجع الشيعية المعتمدة، لكنه عندما يأتي إلى هدم مذهب السنة في قضيّة المتغلِّب يقول: بعد أن تبنّى (الإسلاميون) الديمقراطية فلم يبقَ مجال لقضيّة التغلّب وغير التغلّب وإنما هي فقط ديمقراطية.
وهنا يحضرني في الحقيقة تعليقة يسيرة جدًّا على كتاب الدكتور حاكم المطيري (الحرية والطوفان)، بغضّ النظر عن هذا العنوان، وبغضّ النظر عن أن معالجة الواقع الإسلامي تاريخًا إنما سببه الاستبداد المقابل للحريّة، مع أن المسألة تاريخيًا لا يمكن أن تنصر الباحث في هذا الاتجاه.
فقط هنا ملاحظات كثيرة وليست مناقشة للكتاب، -وربما إن شاء الله نختاره ككتاب في يوم معالجة-؛ أن مشكلة العالم الإسلامي ليست قبول الاستبداد تاريخيا، نحن عندنا مشاكل تاريخيًا تتعلّق ببناء الإنسان، تتعلّق بمفهوم الأمة، بدور العلماء. وذكر الأستاذ محمد قطب أن أصل قضيّة الانحراف تتعلّق بالاستبداد كما ذكرنا في (واقعنا المعاصر)، لكن أن تكون الحريّة مقابل -انتبه إلى العنوان العجيب- (الحرية مقابل الطوفان) وكأن المعالجة لأمتنا تعود لقضيّة الاستبداد السياسي، مع أن الواقع هو أكثر تعقيدًا من هذا. فقط هذه نقطة.
يعني عندما نريد أن نعالج هذه الأمة لا نأتي فقط إلى موضوع الاستبداد من أجل أن توقف الطوفان، إلا إذا كان المقصود بالطوفان هو الثورات العربية وليس الطوفان بمعنى الهلاك الذي يُهلك الأمة. الحقيقة عند أهل السنة أعقد من هذا.
تبقّت فقط نقطة في قضية كتاب الدكتور حاكم المطيري وهي: منهجية البحث، والذي يقوله صحيح بمعنى أن الشورى هي أساس بناء المنهج السني لموضوع الأحكام السلطانية وموضوع الإمامة، فأن الشورى هي الأساس، وأن التغلّب أو الوراثة هي أحداث طارئة وقاضية على الشورى، مدمّرة لها بمقدار ما؛ إما مدمّرة لها تدميرًا كلّيًا في بعض جوانبها، وإمّا مدمّرة لها تدميرًا جزئيًا في بعض جوانبها.
ولكن علينا أن نفهم بأن الذين كشفوا لنا -هنا فقط هذه مسألة منهجية في البحث- أن الذين كشفوا لنا الشَّرع المنزّل، وتعرفون كلمة شيخ الإسلام هناك شرع منزّل، وشرع مؤوّل، وشرع مبدّل، مع أن هذه الكلمة ليست إعمالًا