بسم الله الرحمن الرحيم
تفريغ
مناقشة كتاب (الفكر الإسلامي المعاصر) لغازي التوبة
للشيخ/ أبي قتادة عمر بن محمود
ضمن مشروع "ألف كتاب"
مُؤسَّسَة التَّحَايَا
قِسْمُ التَّفْرِيغِ وَالنَّشْرِ
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيّد المرسلين وإمام المتّقين، حبيبنا وإمامنا وقائدنا وسيّدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه الغرّ الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان وهدى وتقى إلى يوم الدين، جعلنا الله -عزَّ وجلَّ- وإيّاكم منهم، آمين.
أهلًا وسهلًا بكم أيّها الإخوة الأحبّة مع كتاب جديد ضمن مشروع "ألف كتاب قبل الممات". واليوم الكتاب الّذي نحن بصدده هو كتاب (الفكر الإسلامي المعاصر دراسة وتقويم) للأستاذ غازي التوبة.
قبل أن نشرع في هذا الكتاب ربّما نتحدّث عن بعض القضايا المتعلقة بهذا المشروع والمتعلقة بطريقة البحث وبطريقة المناقشة وما يمكن أن تجرّ هذه المناقشة من تداعيات ومن صدى.
ابتداءً نحن هنا لسنا أمام معيارية حقّ عندنا يمثّلها شخص أو متكلّم، تريد أن تنظر إلى الآخرين ككتل تُقوّى من خلال هذا الميزان، أو تُعرض من خلال هذه المعيارية. هذا أسوأ ما يمكن أن يخطر على بال أحد، لسنا أمام معيارية حقّ يمثّلها شخص في هذا العصر، وهي تضع نفسها لتقيّم الآخرين على منوالها، وبالتالي يمكن أن نقصّ ما زاد أو أن نطيل ما قصّر. هذا ليس في نفس المتكلّم ولا ينبغي أن يكون عند أحد آخر من السامعين وسواء كان هذا السامع موافقًا أو مخالفًا، وإنّما نحن أمام قراءة. والقراءة كما قلت في (فنّ القراءة) وكما قلتها في بداية هذه السلسلة: القراءة تولّد قراءة.
وهكذا ينمو هذا العقل المسلم وينمو هذا البناء الّذي نريده لهذا الدين. عندما يأتي أحد ما مثلًا ليجعل ما يناقشه ابن تيمية في مسألة من مسائل الفقه، هو لا ينبغي أن ينظر إليه إلّا كمرحلة لا يمكن أن تكون إلّا وقد سبقتها مراحل. يعني لمن الفضل في القول بأنّ هذا الدليل يصلح لهذه المسألة؟ هو لصاحب القضيّة الأولى، والفقيه الأول، الفضل يعود إليه.
فيأتي الآخَر أو الآخِر ويأتي المتأخر فينظر إلى الدليل ويناقشه وينتج من هذا النقاش علمًا، يوافق ويخالف، يقيّد أو يطلق، يخصّص أو يعمّم، وبالتالي قد ينشأ عند المتأخّر من اتّساع النظر للموضوع ما لم يكن عند المتقدّم، ليس لفضله؛ ولكن لأنّه بنى نفسه على المتقدّم.
عندما يأتي هذا العالم الّذي ذكرناه: ابن القيم، ابن تيمية، ابن رجب، ابن حجر، النووي، عندما يأتي هؤلاء فيناقشوا أدّلة العلماء الفضل ليس لهم، هم جاؤوا إلى بناء قد قامت قواعده، وترسّخت مبادئه فاستفادوا منها وأخذوها؛ ولذلك هم يعرفون قيمة هؤلاء، ويعرفون أنّه لولا هؤلاء المتقدمين لما استطاعوا هم أن يبنوا هذا البناء ولا أن يرتقوا فيه. هذا هو ديدنهم.
فلا ينبغي أن يقول أحد وقد انتقد ابن تيمية استدلالًا للشافعي في مسألة أنّ ابن تيمية هو أعظم من الشافعي، أو أن يقول بأيّ حقّ أنت انتقدت الشافعي وأنت أدنى منه. هذا حوار الضعفاء وحوار البعيدين جدًّا عن العلم وعن طرائقه وعن أساليبه في البحث. لا ينبغي لأحد أن يعيب عليه أنّه يناقش المتقدّم؛ لأنّه هو يرتكز على مبادئه، ويرتكز على أصوله وقواعده التي أرساها. وهو كذلك يعتمد على عالم آخر ناقش هذا النص. القضيّة هي قضيّة اختيار لأمور قد تمّت وترسّخت وبناها علماء كبار قد سبقوه، فإمّا أن يأتي مقلّد فيقول انظر إلى هذا -وهذا رأيناه، إمّا أن يأتي أحد منهم مقلد فيعظّم هذا الشخص ويقول انظروا إلى إمامنا وإلى شيخنا وإلى عالمنا، استطاع أن يمرّر العلماء أمامه ويستعرضهم واحدًا تلو الآخر ويدمغ كل واحد بمعيارية الحقّ، هو تسعين في المائة، سبعين في المائة، وهكذا. فهذا المقلّد. وهؤلاء أجهل الناس والعلماء ليسوا كذلك.
هؤلاء الّذين يعظّمهم هؤلاء المقلّدون لا ينظرون إلى أنفسهم كذلك، بل هم ينظرون لأنفسهم أنّهم فروع الفروع لهؤلاء العلماء، بل أدنى من ذلك بكثير.
ويأتي الخصم فيقول بأيّ حقّ أنت تنتقد العالم؟ أنا أنتقد العالم من خلال رؤية، رؤية عالم آخر، ونحن كلنا إنتاج لهؤلاء العلماء.
هذا الكلام أقوله وقد مرّ الآن ثمانية وعشرون كتابًا، فهؤلاء الّذين ذكرتهم أنا إنتاج لهم، أنا قرأت لهؤلاء وتعلّمت منهم، وأخذت منهم، حتّى الّذين انتقدتهم، القراءة حوار، والقراءة عملية جدل. وفي الابتداء أنت تتلقى وبعد ذلك أنت بعد هذا التلقي تتكلّم، وسيأتي على قاعدة النقد: من غرّبل الناس نخلوه! يعني هو يغرّبلهم من خلال طاقة صغيرة فيدخل الكبير والصغير يفوّت، لكن سيأتي أناس لا يفوّتون له، سينخلونه نخلًا. وهذه طبيعة الحياة، هذه سنة الأقدار، وباب العلم لا يرتقي إلّا بهذا النوع.
يجب علينا أن نقرأ علمائنا وأن نفتح المجال من أجل أن نقرأهم بوعي من أجل أن ننتج علمًا يلائم هذا الواقع ويحلّله وبالتالي يعالجه فيرتقي به. ونحن أمام إسلام عظيم، أُصيب ما أصيب به من الحالة التي نحن وصلنا إليها، وبالتالي هذه مراحل تاريخية، نقدّر هؤلاء الناس.
وهذا الكتاب مثلًا، يقف رجل كان مغمورًا ولا يعرفه إلّا القريبون منه تقريبًا، ومع ذلك وقف وقيّم وانتقد كبارًا وأيّد كبارًا وناقش وبالتالي وُضع هذا الكتاب، وينبغي على كلّ عالم أن يضع هذا الكتاب كما يضع غيره في المكتبة الإسلامية؛ لأنّه إنتاج إسلامي. اقرأه، يحاوره، ويستفيد منه.
وبالتالي نحن أبناء. لمّا تكلّمت في ثلاث حلقات عن الأستاذ محمّد قطب أنا ذكرت هذا وأكّدت عليه لئلّا يأتي من يظنّ أنّنا نريد أن نهدم! لم أرد هذا، ولم يخطر في بالي أنّنا نريد أن نهدم من أجل أن ننشئ شيئًا جديدًا. الفكر ليس كذلك، الإنتاج الإسلامي ليس كذلك، حتّى الفقه ليس كذلك. لم يكن للشافعي أن يقوم إلّا بشيخه مالك، ولم يكن لمالك أن يقوم إلا بشيخه نافع، ولم يكن لنافع أن يقوم إلا بشيخه ابن عمر، ولم يكن لابن عمر أن يقوم إلّا بكبار الصحابة، وكبار الصحابة أخذوا من منبع الحق والهدى وهو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وبالتالي هذا هو الإنتاج، وبقي هكذا، بعد الشافعي جاء فلان وجاء فلان وأخذوا منه، وتميّزوا في أمور وبنوا على أمور، وهكذا. هذه هي طبيعة الحياة.
فلا ينبغي لأحد أن يوقف هذا التيّار، ولا ينبغي لأحد أن يتكلّم كلامًا كأنّه نطق الحقّ المطلق الذي ينبغي أن تقف عنده البشرية ويقف عنده على الخصوص أهل الإسلام؛ من أجل أن يمتثلوه ويحملوه دينًا. لا وجود لهذا! أساس هذا الدين وهو إعمال العقل، هذا امتحان الله لنا في إعمال عقلنا في إدراك الحقّ. وهذا قاله كبار أئمتنا، قاله الشافعي، قاله ابن جرير، يقولون هذه الكلمات العظيمة: إن الله امتحن عقولنا من أجل أن ندرك الحقّ. في مسائل يجب أن نتعامل معها، بأن نعمل هذه العقول.
العقل الواقف الذي يتلقّى فقط ولا ينتج، ويتلقّى ولا ينقد، يتلقّى ولا يحاور، هذا عقل بعيد عن صناعة الإسلام.
ولذلك يجب أن نفتح هذا الباب ولا نخاف منه، وأن يتكلّم كلّ أحد، والناس يتكلّمون. في النهاية سيُعرف، كم مضى من الناس تكلّموا في التاريخ؟ هناك من مات وذهب ولم يُنقل منه شيئًا، وهناك من تكلّم وبقي، وهناك من شغل عصره وبعد عصره كأنّه لم يكن! كانت أفكاره مثل العلكة وإنتاجه كالعلكة. تعرفون ما العلكة؟ هذه أفكار العلكة قلتها في مقدّمات كلامنا على هذا المشروع، أنّهم يأخذون العلكة فيمضغونها فيكون فيها الحلاوة في أوّلها، ثم تنقلب وتنتهي وتصير إلى مجرّد كوتشوك لا قيمة لها.
هذه تُضرب مثلًا للشعر الجيّد والشعر الرديء، والشعر القديم والشعر الحديث. هناك شعر ما يشغل حيّزًا في أوّل الوقت ثم ينتهي إلى رماد، وإذا فكّرت فيه لا تجد فيه إلا مجرّد كوتشوك لا قيمة له، مطاط، لا ينتج حلاوة، لا ينتج ذوقًا.
وهناك من النّاس من شغلوا أوقاتهم ولكنّهم انتهوا، بادوا، سيذهبون، وهناك من سيبقى. اترك هذا لعامل السنّة الإلهية ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [سورة الرعد] اترك هذه السنة ستعمل عملها. أنت لا تستطيع أن تصنع شيئًا.
كم من النّاس وقفوا أمام إنتاج ابن تيميّة -رحمه الله- ليميتوه؟ يُذكر أنّ بعض تلاميذه كان يحمل كتبه بأغلفة خلاف ما فيها حتى لا يُتّهموا أنّهم تيميّون. ولكن هل استطاعوا أن يوقفوا هذا؟
كم من العلماء أراد الناس أن يميتوا فكرهم؟ سيّد قطب حُورب، الظلال حُورب ومُنع، وصدر كثير من القرارات في الدول بمنعه. هذا وقوف أمام الأقدار الإلهية، اترك عامل الزمن هو الّذي يغرّبل، هو الّذي يمحّص.
فأنت تكلّم، قل ما عندك بقواعد الحق، سواء من خلال النيّة الصالحة أو من خلال القواعد الصحيحة. هذان الشرطان، لا بد من النيّة الصالحة؛ لأنّك تتعامل مع دين، لأنّك تتعامل مع رب العالمين، لأنّك تتعامل مع كلمة الحقّ في الرضا والغضب، لأنّك تتعامل مع قمّة العدل، العدل قيم، عندما تتكلّم في رجل، تتكلّم في فكرة، تتكلّم بالعدل.
فالحبّ المطلق بغير تقييم لا ينشئ عدلًا، والبغض المطلق للبحث لا ينشئ عدلًا، لا بدّ من الإنصاف لإلغاء حامل الحبّ والبغض.
فأوّلًا النيّة الصالحة، لا بدّ من النيّة الصالحة، وأن تراقب ربّك، ويكون في نيّتك أن تفيد هذه الأمة وأن تقدّم لها الخير، وأن تقول لها الحق، وأن تهديها سواء السبيل.
وثانيًا أن تقوم بهذا الفعل بطرقه السننية المعروفة.
وهذان هما قاعدتا الحقّ في الوجود في التقييم، كما يقول أهل العلم النيّة الصالحة واتّباع السنة؛ اتّباع السنّة في العبادات، اتباع السنّة في الفقه، ولكن هناك أمور كذلك لها سنن خاصة فيها، كتقييم الأفكار من خلال الكتاب والسنة، من خلال التجربة، من خلال الفطر الإنسانية، وهكذا.
هذه مهمّة جدًا. أنا أنبّه عليها؛ لأنّه ليس هناك معيارية إلّا الكتاب والسنّة، والكتاب والسنة عندما ينزلان إلى الأفهام يحصل هناك الاتفاق أو الاختلاف، فما اتّفقت عليه الأمّة انتهى نسلّم له الإجماع، وما اختلفت عليه نعمل الدليل الّذي عليه السلف، الّذي عليه الصحابة، الّذي عليه التابعون، نُعمل الدليل، وهكذا.
وحين نأتي إلى موضوع ما يُسمّى الفكر فحينئذ يبدأ الإبداع ويبدأ المجال الأوسع في النقد أو القبول. كلمة "الفكر" أيها الإخوة كلمة تعطيك هذه المساحة من النقاش؛ لأنّ هناك من ينكر كلمة "الفكر" والحقيقة هذا الإنكار غير صحيح. هناك من ينكر كلمة "الفكر الإسلامي" ويقارنها بالإنتاج الفلسفي الإسلامي، وهذا غير صحيح.
وهذا إدخال شيء في شيء، ولكن أنا أنبّه عليه؛ لأنّ هناك من يريد أن يتعامل بتراثية لا يقبلها العلم، ولا يقبلها العلماء أنفسهم. بمعنى لو أن رجلًا نوقش في قضيّة فضائل الحدود من مخاصم، فأجاب في قضيّة حكمة الحدود. هذا ماذا يسمّونه؟ هذا إنتاج أنت تنتجه من خلال قراءتك للكتاب والسنة، من خلال قراءتك لتاريخ هذا الحكم.
إذًا هذا فكر، والناس يتفاوتون.
عندما يأتي واحد ويتكلّم عن تعدد زوجات النبيّ -صلى الله عليه وسلم- وفضائلها، وأحكامها، وعللها، هذا ماذا يُسمّى؟ هذا يُسمّى فكرًا، إنتاجًا إنسانيًا، وحينئذ يتفاوت الناس.
الآن لمّا جاء العلماء وتكلّموا عن الإعجاز القرآني، وأبدعوا إبداعات يظنّ بعض الناس أنّ موضوع إعجاز القرآن هو كلمة واحدة، هذا غير صحيح، الكلام عن الإعجاز هو أبواب من العلم. عندما نبدأ بالرّماني، نأتي إلى الخطّابي، إلى الباقلّاني، ثم نأتي بعد ذلك إلى الجرجاني، ثم نصل إلى مصطفى صادق الرافعي، ثم نصل إلى الشيخ محمد عبد الله دراز، أنت تجد إبداعات ليس إبداعًا واحدًا، وكلّهم تحدّث عن جانب من جوانب الإعجاز البياني واللغوي في القرآن ما يبهرك. ماذا تسمّيه هذا؟ تدخله في الفكر الإسلامي.
عندما نتحدّث عن قضيّة الدولة، هذا من إنتاج الفكر الإسلامي.
عندما نتحدّث الآن عن عمل الجماعات في رؤيتها لإحياء الأمّة كيف نحيي الأمّة، هذا إنتاج إسلامي، النّاس ينتجونه.
نعم هناك من يحاول جاهدًا أن يجعل هذا نصًّا! وهذه طريقة مكشوفة، وللأسف فيها غباء. يعني يريد أن يجعل ما يقوله هو النصّ، ما أحد قال هذا، ما أتى الشافعي ولا أحمد في مسائل الخلاف قال أنا النص وغيري خلاف النصّ! لم يقولوا هذا، إنهم يعذرون بدرجة معينة في المسائل، يعذر بعضهم بعضًا فيما يختلفون؛ ذلك لماذا؟ لأنّه لا يرى أنّه هو النصّ، بل هو يغيّر. وبالتالي هو يناظر ليعلم الحق، والدليل أنّه بعد أن يناظر يغيّر؛ فلو دخل وهو يظنّ في نفسه أنّه النصّ الذي ينبغي ألّا يخالفه فلم يتغيّر بعد ذلك؟ لم يغيّر فقهه ومسألته؟
فإذًا هنا إنتاج فكر.
كالذي أنكر موضوع فقه السيرة، قال فقه السيرة هو الفقه التقليدي الموجود في كتب الأئمة! هذا خطأ كبير جدًّا. السيرة لها طرقها في الإثبات تخالف قضيّة أحاديث الأحكام، وهذا لا نريد أن نخوض فيه الآن، ولها كذلك طرق في الاستدلال من أجل إملاء جوانب حياتية لا يملأها الفقه التقليدي. الحياة أوسع من الفقه التقليدي. وحينئذ نأتي إلى الأحاديث، نأتي إلى السيرة النبوية فنراها تعالج هذا الجانب الإنساني، وهكذا.
فهذه المقدّمة لا بدّ أن ننتبه لها في قضيّة النظر إلى ما يخالفنا، أعطينا لأنفسنا الحقّ أن نتكلّم، ونعطي لغيرنا الحقّ أن يتكلّم فينا أو في غيرنا، يقبل، يرد. أمّا رفع إشارات ممنوع الكلام هذه مرفوضة.
الأمر الآخر، هذه القراءة لا يمكن أن تكون مستوعبة؛ بمعنى نحن أمام أسبوع أو ساعة ونصف من أجل قراءة كتاب، فهل تظنّ أن هذا يمكن أن يستوعب رجلًا عظيمًا، كاتبًا عظيمًا، لما تكلّمنا عن الغزالي في "المنقذ من الضلال" هل تظنّ أنّ جلسة واحدة يمكن أن نستقصي فيها الحديث عن الغزالي؟! وبالتالي أنت تبحث عن الطريق الّذي تريده، وتعلم أنّ في هذا الطريق طرق أخرى متفرّعة عنه، أو مصاحبة له ليست متفرّعة فقط، لكن مصاحبة تعادله في البحث، ولكن أنت تقول أترك هذا، أنا أريد أن أمشي في هذا الطريق، وتحاول أن تسدّد.
وكما قلت في الجلسة الفائتة: نحن نعيش في حقل ألغام، وفيه الدقة، والألفاظ مرّات لا تخدمك؛ لعجزك، لضعفك، أو لأنّ الموضوع أوسع من هذه الألفاظ. الموضوع لا يمكن أن تستوعبه ألفاظ محدّدة، لا بدّ من كل كلمة أن تُبيّن وأن تُشرح، وهكذا.
يعني مثلًا واحد يقول أنت قرأت الغزالي في "المنقذ من الضلال"، الغزالي ليس المنقذ من الضلال، الغزالي فقيه وأصولي، متكلّم، فيلسوف، وصوفي؛ فنحاول، تقول أنت ظلمته ليس كذلك هو، أنت ناقش ما قلته في الباب الّذي أنا أتحدّث عنه فيه. وهناك أناس محبّين، يعني الغزالي ميّت، لكن هناك أناس يحبّونه، ويعظمونه، ويرونه حجّة الإسلام، ويرون كلامه وصل إلى درجة قول بعضهم: لو ذهب القرآن والسنة من الوجود لاستخرجنا ديننا من إحياء علوم الدين! لهذه الدرجة يعظّمونهم.
وهناك أناس يرونه زنديقًا لا قيمة له في الإنتاج الإسلامي، احمل كل كتبه واحرقها! هم لا يقولون هذا عن الغزالي فقط! رأينا من يقول هذا الكلام عن ابن الجوزي، ويقولونه عن النووي! وأنا كنت أظنّ أنّ هذه الكلمات تُقال من قبل الاستهزاء، يعني غير حقيقية، ولكنّي وجدتها حقيقة. هناك من حمل كتب النووي وأحرقها، وأحضر كتب ابن حجر وأحرقها! ولا نريد أن نتكلّم. لا نستطيع أن نضع كلمة فوق هذا الجرم العظيم، وهذا الفساد الذهني العظيم، لا يوجد كلمة تعبر عن مقدار هذا الضلال.
فستجد أناسًا يعرفون أكثر منك في جانب، وهذا شيء طبيعي. في جانب من الجوانب يقول أنا أعرف أكثر منك هذا. نعم، لما لا؟ لا يوجد أحد يقرأ كل شيء ويفهم كل شيء في هذه الدنيا، يقرأ المرء، وربما يبقى أسيرًا لقراءته الأولى.
ربّما أنت تدخل إلى عالم، فتقرأ كتابه الأول فتبقى أسيرًا لهذا الكتاب، حاكمًا على الرجل من خلال هذا الكتاب، هذا يقع. هناك أوهام في القراءة، القراءة يقع منها أوهام وفيها أوهام.
فالّذي يريد أن يناقش الرجل كلّيًا له ذلك، وحينئذ يحتاج الوقت الأكثر وربّما يصبح الرجل في حياته كلّها مجرّد علم لهذا الرجل. يعني الناس ينظرون لابن القيم زدنا، مدحنا، قبلنا، ذممنا، إلى آخره، يرونه إنتاجًا تيميًّا، زاد أو نقص هو تلميذ ابن تيمية. هم يرونه من هذا المنظار؛ لأنّه تخصص به، وتفرّع عنه فقهًا وأصولًا وكلامًا، إلى آخره. تجد الكلمة عند ابن تيمية في صفحة، وهو يشرحها في كتاب.
يوجد هذا، ولكن هذا لا نستطيع أن نكوّنه. فيمكن لرجل يقول أنا متخصّص بهذا الرجل، وقد رأيت هذا، أنا متخصّص بهذا الرجل وأنا أقول بغير قوله، لك الحقّ، قل ما تشاء، هذا شيء يشرّف. ويكفي أنّ عملنا كلّه هذا يمكن أن يُسمّى برمية حجر في بركة! جزء من هذا الحوار العظيم في تاريخ أمّتنا، جزء من هذا التاريخ العظيم الّذي عاشته أمّتنا في قضيّة الحوار والمناقشة والبحث والمناظرة.
ونبقى نستشهد بعلمائنا، الآن مصادر ابن حجر في فتح الباري آلاف المصادر. ولمّا أنت تقرأ لابن تيمية وهو يناقش العلماء على ماذا يدلّ؟ يدلّ على أنّه قرأ، اطّلع، وبحث، وأنا أحضرت لكم من قبل نصًّا لابن حزم ارجعوا إليه، من هو الّذي يحقّ له أن يتكلّم؟ الناظر في الكتاب والسنة واللغة والتاريخ والمذاهب إلى آخره، ونحن نعطي لأنفسنا هذا الحقّ وقد نخطئ وقد نصيب.
يكفي هذا الآن، لا أريد أن أذهب أكثر في هذا الباب لئلا نظلم هذا الكتاب.
الآن انتهينا من هذا، وكل جلسة إن شاء الله، يعني ليس استثناءً، كل جلسة نحاول أن نقوّم، مضطرّين في كلّ لحظة، حالنا أيها الإخوة في هذا الطريق كحال الطفل الّذي يحتاج إلى غسل كل يوم، أو حال العامل الذي يحتاج بعد كل عملية أن يغسل يديه، ولا يقول أنا لا أريد أن أغسل؛ لأنّي إذا نظّفتها اليوم ستتسخ غدًا! لا، كلّ يوم في حاجة إلى غسلها؛ لأنّ الرجل الذي يعمل، والطبيب الذي يعمل، بعد كل عملية يغسل يديه أم لا؟ ولا يقول أغسلها مرة في نهاية اليوم أو في نهاية العمليات أو في نهاية السنة!
تصوّر رجل يقول هذا الثوب اتّسخ، فإذا نظّفته غدًا سيتّسخ، فيبقى هو متّسخ، سيكون حاله الشرّ والبلاء. ونحن بحاجة في كل لحظة أن نعاود تذكيرًا لأنفسنا أنّنا لسنا كذلك، وأنّ هذا الطريق ينبغي أن يكون مقوّمًا بالحقّ والهدى والعدل، وكذلك المتابعة. هذا طريق يجب أن يكون ويبقى. لا أريد أن أتحدّث عن الّذين يقولون أين أنت والعالم، تتحدّث لنا عن الفكر الإسلامي المعاصر والأمّة تموت. هؤلاء أجهل من أن يُردّ عليهم! هؤلاء ليسوا بشيء في الحياة، ولا قيمة لهم، هؤلاء سيذهبون ولا قيمة لهم.
نرجع الآن إلى كتاب الأستاذ غازي التوبة (الفكر الإسلامي المعاصر):
هذا الكتاب قديم كما ترون، يعني بين يديّ هي الطبعة الثالثة الّتي هي مشتقة من الطبعة الثانية فقط بزيادة مقدمة للطبعة الثانية، وأنا أحبّ أن أقرأ الكتب في صياغتها الأولى، ولا أظنّ أنّ هناك فرقًا بين الطبعة الأولى والثانية، أمّا الطبعة الثانية والثالثة فلا فرق بينهما كما ذكر هذا في مقدّمة الكتاب.
فهو كتاب قديم، وإذا تكلّمنا عن العشرية السابعة من القرن الماضي فنحن نتحدّث عمّا يقارب الخمسين سنة والأربعين سنة.
ابتداءً نحن نتكلّم عن كتاب، هكذا كان، وهكذا وضعه صاحبه. لماذا أقول هذه الكلمة؟ لأنّي أمام نقطة لا بدّ أن أتحدث عنها في كلامي على نهاية الكتاب. ولا أريد لأحد أن يأتي ويقول بأنّ الأستاذ قد تغيّر وأنّ أحكامه قد اختلفت، وأنّ كتابه الفلاني يختلف عمّا يقوله هنا، وأنّ الرجل في حياته يختلف. أنا أتكلّم الآن هنا عن ماذا؟ عن كتاب فيه مناقب ومحاسن عظيمة، وفيه طرق في البحث جديدة، على مناهج المفكرين المسلمين. يعني فيه إبداع في هذا الباب.
وكذلك لا بدّ من مرور سريع على موقفه المعاصر، كون الرجل يعيش ويتحدّث وله لقاءات، ما زالت إلى الآن ولغد أطال الله في عمره؛ فلا بدّ أن نمرّ عليها.
أوّلًا تنبيهًا بأنّني أعتقد بأن موقف الأستاذ اليوم مما يحدث في العالم الإسلامي من مواقف حركات جهادية أو مواقف أخرى فيه شيء من اختلال البوصلة وعدم وضوحها، وهذا يحتاج إلى دراسة، لكنّي أنبّه على هذه النقطة. وهذا تقييمي، وقد يقول أخطأت، وله الحقّ أن يقول أخطأت، ولصاحب له أو لتلميذ له أن يقول أخطأت، له الحقّ، لكنّي أعتقد أنّ مواقف الأستاذ فيما يُسمّى بالحركات الجهادية له كلمات غير صحيحة، ولا تتسق مع العلم، ولا مع حقيقة هذه الحركة التي نعيشها.
ثانيًا: الكلام عن شخصه له مجال آخر، يعني كيف هو مشى، كيف كان، كيف تغيّر، كيف كان مع الإخوان المسلمين ثمّ كيف تركهم، ماذا اشتغل من جماعات، كيف عمل الجماعات، ثمّ هل الجماعات حقّقت بعض مراده أو ما زالت أو انتهت، هل ما زال هناك ثمّة حركة حقيقية أم هي مجرّد شيخ يحبه بعض تلاميذه؟ هذا كلام نتركه لدارسين آخرين. ولست ممن يعتني في هذا البحث وهذا المشروع بهذا الموضوع كثيرًا.
ولكنّي مضطرّ أن أقول: أوّلًا بأن أحكام الأستاذ على وقائع معيّنة معاصرة تحتاج إلى وقفات، وتحتاج إلى مراجعة، وتحتاج إلى نقد. مع الاحترام الشديد لهذا الأستاذ والكتاب الّذي بين أيدينا.
النقطة الثانية التي قلتها في الابتداء وأكرّرها بأنّني أناقش هنا كتابًا مضى عليه مدّة طويلة، قطعًا الإنسان ينمو، والإنسان يتغيّر، ربّما لا تختلف كثيرًا قواعده، ولكن تختلف تراكمات هذا الإنتاج؛ لأنّ ما يقوله الأستاذ هنا وأيّ واحد -وهذا من الإنصاف- يقرأ كلامه في الابتداء يرى فيه العمق في نقد المدارس حتّى جاء لحسن البنا انتهى هذا العمق ورجعنا إلى السطح، وصار الحديث حديثًا سطحيًا تمامًا في مناقشة مدرسة حسن البنا الّتي جعلها في المدرسة الإصلاحية.
يعني لو قارنّا بين نقده للأستاذ تقيّ الدين النبهاني وبين نقده لمدرسة حسن البنا لرأينا -أنا أتكلّم عن المنهج هنا، ولا أتكلم عن طرق النقد- لرأينا البون شاسعًا؛ فهو يتعمّق في دراسة إنتاج، وطبعًا يختار بعض الكتب وهي كافية في الكلام عن مدرسة حزب التحرير ومدرسة الأستاذ تقيّ الدين، يختار كتبًا كافية للحكم على استراتيجية المذهب بغضّ النظر عن أفراده.
يعني عندما يتحدّث عن الدستور هو لا يناقش الدستور مثلًا بأفراده، توافق الإسلام أو تخالف، اجتهادات صحيحة أو غير صحيحة، وإنما يتكلّم عن قضيّة كلّية أخرى وهي أنّ إنتاج الدستور قبل إنتاج الواقع الذي يريده هو، هو وضع العرب أمام الحصان، هذا تعبيره؛ لأنّ الدستور يُصاغ بعد إنتاج الدولة، وليس تخيّلًا لما يمكن أن تكون عليه الدولة مثلًا؛ فهو لا يناقش حزب التحرير بأفراده مثلًا كما يناقشهم السلفيون. يعني لا يناقش حزب التحرير أنّ إنتاجهم هو إنتاج كلامي في مسألة العقائد، في إنكار حديث الآحاد، في إنكار القبر، وغير ذلك، لا يناقش هذا، وإنما يناقش الطريقة الّتي سلكها الشيخ تقي باعتباره كلّيًا، يعني باعتبار الكلّيات فيه. لكن هذا النقد الّذي جعله يذهب لهذه الكتب لا نجده أبدًا في كلامه عن حسن البنا! ولا قريبًا منه! بل هو يتحدّث كلام المعجب الّذي لا يبحث حتّى عن الممارسات التي تدلّ على مقدار عمق تكوّن الإنسان في داخل مدرسة حسن البنا.
يعني عندما يأتي مثلًا إلى محمد عبده، وهذه صحيحة، عندما يأتي وينقد الشيخ محمد عبده، ويأتي بنقد فكري له منهجي وبنقد واقعي له، ممارسات، وكذلك يفعل مع مالك بن نبيّ، وعماد فكرة نقد مالك بن نبيّ -أنا لا أتكلّم عن صواب النقد هنا، صواب النقد معه فيه-. وعندما يذهب إلى مالك بن نبيّ وينقده فلا ينقده إلّا من خلال رؤيته العملية أكثر، يتحدّث عن رؤية عملية، وهذا لا نجده مع حسن البنا أبدًا. يأتي بالكلام كلمة واحدة ثم يذهب إلى الإنتاج، المؤسسات الّتي أنتجها حسن البنا، ثمّ ينتهي إلى كلمات سريعة في حقّه وينتهي الموضوع، وهذا خلل!
هذا قلته وأسرعت في الكلام فيه من أجل أن أبيّن أنّ هذا الكلام اليوم هو حديث عن تاريخ. ليحفظ ... يقول الأستاذ تغيّر وله نقد شديد اليوم على حسن البنا. يعني للأستاذ كتاب مطبوع وهو تقييم لأبي الأعلى المودوي، وهو يلاحق أبا الأعلى المودودي في قضايا الممارسات السياسية. وأغلب نقد الأستاذ غازي لأبي الأعلى المودودي أغلب النقد يقوم على الممارسة، في الجماعة الإسلامية وممارساتها السياسية، ويصبّ نقده الشديد عليه وهو صحيح، نقده فيها بالنسبة لي أنا أراه صحيحًا، ولكن هذا لا نراه أبدًا في حسن البنا، لا يذهب إلى حسن البنا كشخصية، هل لأنّه عندما أنتج هذا الكتاب كان إخوانيًا؟ وبعد ذلك خرج عنهم لمسائل تتعلّق بالديمقراطية أو كذا؟ هل لسطوة مدرسة حسن البنا؟ بمعنى أن في ذلك الوقت نقد المدرسة من خلال نقد حسن البنا فيه تهمة كبيرة؟
يعني ربّما اليوم نحن نجد الصغار ينقدون حسن البنا، نجد الأطفال يتكلّمون عن حسن البنا، والكلام عن حسن البنا يصل إلى درجة الإسفاف، يصل إلى درجة الطفولة. واليوم هذا مقبول، لكن هل كان أحد يستطيع أن يتكلّم عن حسن البنا أو يتكلّم عن سيد قطب في داخل المدارس السلفية أو السنية؟ فربّما هذا الّذي جعله يجمل هذا الإجمال، وهو في الحقيقة يحتاج إلى بحث أوسع ممّا ذكره.
وأنبّه إلى هذه النقطة أنّه قد يقول هذا إنتاج قديم، يعني سأبقى أضع هذه الكلمة، ربّما يقول الأستاذ أو يقولها أتباعه أو يقولها أحد: ولكن هذا الكتاب هو إنتاج قديم.
بلا شكّ هنا أنا أضع نقطة، أنا لا أحبّ في الحقيقة أن يُتصرّف في الكتب، حتى لو تغيّرت أفكار صاحبها. يعني يبقي الكتاب على ما هو عليه، وإذا أراد شيئًا وطبعه طباعة جديدة أن يعلّق على هامشه؛ لأنّ الكتاب يعبّر عن مرحلة من المراحل، وقد تكون هي الأصوب!
أنا مضطرّ أن أضرب في كل مسألة على أمثلة مقبولة لدى الناس ولدى طالب العلم، عندما غيّر الإمام الشافعي مذهبه، وصار له المذهب القديم وصار له المذهب الجديد، الأتباع وهم الشافعية لم يرتضوا منه مثلًا مسألة في مذهبه الجديد وهي مسألة المواقيت، رفضوها. في المذهب القديم كان الإمام الشافعي يرى أنّ المغرب له وقتان، في المذهب الجديد يرى أنّ المغرب له وقت واحد فقط وهو وقت دخولها مع الوضوء مع سبع ركعات فقط، وينتهي وقت المغرب عنده.
وجود هذا في مذهب: قديم، وجديد؛ جعل فسحة للأتباع أن يرفضوا مذهبه الجديد؛ ولذلك مرجحوا المذهب كالنووي والرافعي لا يقبلون اجتهاده في تغيّر المذهب، ويقولون بأنّ مذهب الشافعية الصواب هو المذهب القديم وهو أنّ للمغرب وقتان وليس وقتًا واحدًا. وبالتالي هذا يعطينا دلالة أن أَبْقِ الأمر كما هو عليه.
هذا يدلّ على أنّك كنت في مرحلة على هذه الصيغة، أبقيها كما هي، لا تلغيها؛ لأنّها قد تكون هي الأصوب! فأبقها على ما هي عليه، فإذا تغيّرت قل هذا الآن الّذي أؤمن به، وهذا يدلّ على إنسانية الفكرة. في النهاية نرجع إلى نقطة وهي نقطة مهمّة على إنسانية الفكرة، الفكر هو إنسان.
هذه نقطة بالنسبة لقضيّة الكتاب. بعض الطلبة وبعض المشايخ والمؤلفين يبدأ كتابه في ورقات، ثمّ بعد ذلك يأتي عليه فيزيد عليه ويزيد عليه، وكأنّه لا يعرف إلا أن يؤلّف هذا الكتاب، وكل يوم طبعة جديدة ومنقّحة، طبعة جديدة ومنقّحة، وتتضخّم هذه الطبعة الجديدة والمنقّحة! أبق الإنتاج الأوّل على ما هو عليه، ثم ألّف كتابًا آخر وتكلّم، أو علّق على هذا الإنتاج القديم بهوامش ليميّز الناس ما كنت عليه وما صرت إليه.
هذه قضيّة ننتبه لها.
نعود إلى هذا الكتاب، ما هي مميّزات هذا الكتاب؟ هذا الكتاب له مميزات وفي الحقيقة هو كتاب قيّم. أول ميّزة له وهذه قليلة في داخل ما يُسمّى الفكر الإسلامي وهي قضيّة إيجاد الزمر. وأنا لا أعرف في الحقيقة من سبق الأستاذ غازي التوبة وهذا من إبداعاته، وأنسبها له حتّى يأتي العكس، ولا أظّن لأحد القدرة على أن يأتي بالعكس، أنّ تقسيمه للإنتاج الإسلامي المعاصر بهذه التقسيمات ربّما تخالفه وهو يشعر بوجود هذه المخالفة، وربّما توافقه، ولكن أن يبوّب هذا الإنتاج من خلال هذه الزمر فهذا إبداع.
يعني عندما يأتي إلى الإنتاج الإسلامي ويقسّمه إلى هذه المدارس:
المدرسة الأولى: الإصلاحية.
المدرسة الثانية: التاريخية.
المدرسة الثالثة: التربوية.
وهو يضع علامات وأركان لكلّ مدرسة، ويختار شخصيات فاعلة وقويّة لكلّ مدرسة؛ فمثلًا: المدرسة الإصلاحية: محمد عبده، ومالك بن نبيّ. أنت قد تخالفه، ولكنه يقول أنّ المدرسة الإصلاحية أهمّ عمدها التصالح مع الواقع. نعم هي تريد أن تغيّر ولكنّها تبني على ما هو عليه، لا تتصادم معه، ولا تهتمّ ببناء الإنسان تهتمّ ببناء المؤسسات، يضع هذا. ويضع كذلك أنّها مع تصالحها مع الواقع هي كذلك تتوافق مع الحكّام ومع مصادر القوّة في المجتمع، سواء كان مالك بن نبيّ في مدحه لباندونج ولعبد الناصر ولنيهرو وتيتو أو محمّد عبده في تصالحه مع الإنجليز مع أنّه استقوى بهم.
وكذلك في أن هذه المدرسة تقوم على التأويل، بالرغم أنّه في هذه النقطة هذا بيّن في طريقة محمّد عبده خاصّة في الإفتاء وتأويل النصوص، ويحضر نصوصًا كثيرة اعتمادً على كتاب هو جعله مرجعًا له في قضيّة منهج محمّد عبده في التفسير في تأويله للنصوص لتوافق الغرب، لتوافق المستشرق، لتوافق العدوّ، تحت سطوة قوّة العلم وسلطانه الّذي بدأ يرخي بظلاله على المجتمعات العالمية ككلّ، ولكن هذا كذلك لا نجده، لا يوجد عند مالك بن نبيّ هذا؛ وذلك لافتراق شخصية محمّد عبده عن شخصية مالك بن نبيّ؛ فشخصية محمّد عبده في النهاية مفتي وشيخ، بخلاف شخصية مالك بن نبيّ، شخصية مالك بن نبي ليس شيخًا وليس مفتيًا، هو مفكّر؛ وبالتالي مالك بن نبيّ لم يقم أبدًا بعملية تأويل النصوص، وكل ما يدور حول الكلام عن مالك بن نبيّ وهي كلمات عميقة في نقد مالك بن نبيّ، وكلمات قويّة جدًّا في نقده لقضيّة إحياء الأمة عن طريق -للأسف- التلفيق بين الإسلام وبين غيره، ومن قرأ هذا يدرك أنّه كان يرى لمّا تمخّضت صورة الإصلاح كما يراها في الواقع عند مالك بن نبيّ، تمخّضت صورة الإصلاح على ما يريدها في النهاية فوجدها في صورة مؤتمر باندونج والفكرة الأفروآسيوية الّتي هي معروفة الّتي هي: فكرة عدم الانحياز، الّتي ماتت في مهدها، وهي تعبير سياسي أكثر من كونها إنتاجا فكريّا أو إصلاح أمّة، ولكن رآها مالك بن نبيّ وتعلّق بها.
ونقد الأستاذ غازي التوبة لمالك بن نبيّ في هذا الجانب نقد عميق ومهمّ ورائع، وإن كان لم يستوعب الكلام وله عذره كما هو عذرنا لم يستوعب الكلام عن مالك بن نبيّ في كل إنتاجه. وعندما جاء إلى أفكاره نقد اعتماد الأستاذ مالك على مركزية قوله الّتي أعادت كل أفكاره إليها وهي قابلية الاستعمار، كيف يزيل من الأمّة المسلمة قابلية الاستعمار.
فأريد أن أقول بأنّ هذا التقسيم هو تقسيم جديد، لا تجده في داخل الإنتاج الإسلامي. كما أنّ مالك بن نبيّ في صياغته لأفكاره هي صياغة جديدة. يعني لا يُعرف أنّ مفكّرا يضع إنسان+ تراب + وقت = حضارة. هذه طريقة رياضية لا تُعرف في داخل المشايخ ولا التيّار الإسلامي؛ فجديدة، لقراءة الفيزيائية، ولقراءة الهندسية، فقطعًا تمثّل بمثل هذا. وبمثل هذه المعادلة الصغيرة ربّما غيره من المشايخ يحتاج إلى خطبة أو خطبتين أو كتاب أو كتابين ليشرح هذه الفكرة ولا يستطيع أن يصيغها مثل هذه الصياغة.
القصد بأن يضع ويحاول ويقول مثلًا يأتي يشعر هو بحرج كما هي طريقته عندما ينقد بعضهم يقدم ثم يشعر بالحرج فيعود عليها بالاستثناء أو بالتصويب، مثل شعوره بالحرج في جعل مدرسة العقّاد أنّها دراسة تاريخية. معنى أنّها من المدرسة التاريخية.
وأمّا تقييمه لمفهوم المدرسة التاريخية فتقييم رائع وحقّ، وهو أنّها تريد أن تتعامل مع الإسلام كأنّه إنتاج ذهب ومضى وليس له أي دور في الحياة وإنّما خلاص انتهى، فنقرأه قراءة تاريخية وانتهى! ولا شكّ أنّ الزمر لها جنايتها. وهذا ذكرته في مقالي "المنافقون وأهل التأويل" في المنهاج بأنّ الزمر ضرورة لكن لها جنايتها.
يعني عندما أنت تضع طه حسين مع العقّاد فهذا فيه جناية لكنّها ضرورة. يعني العقّاد ليس مثل طه حسين، وهذا له طريقه وهذا له طريقه، لكن أنت تتعامل مع نقطة قد تجمع الشتيتين وهو أنّهما يلتقيان في أنّ الإسلام يُقرأ باعتباره تاريخًا، وإن كانت المقاصد مختلفة. يعني عندما يتعامل طه حسين مع الإسلام ليس كتعامل العقّاد مع الإسلام، يختلف تمامًا في هذا.
كذلك ذكرنا في قضيّة محمّد عبده لمّا نضع محمّد عبده مع مالك بن نبيّ لا ترى ماذا يقوم هذا من التأويل للشريعة مثل صندوق التوفير الّذي أباحه، ومثل قضيّة جواز التعامل مع المستعمر، وهنا تأتي في الحقيقة دراسات ينبغي أن تكون مرافقة لهذا الكتاب. وهذه نقطة أنا أريد أن أنبّه عليها، بأن ما يُقال هنا ينبغي أن يتوافق مع قراءة دراسات أخرى، يعني في دلائل الإعجاز توقّف كما يقول الدكتور محمّد محمّد أبو موسى في نقله الشخصيّ قال له الأستاذ محمود شاكر شخصيًا أنّه توقف عن إصدار هذا الكتاب ثلاثين عامًا. والكتاب مطبوع قبل أن يقوم هو بتحقيقه مرّة أخرى، فامتنع عن إخراج الكتاب ثلاثين عامًا، يقول لأنّ ما اكتشفه صادم للبيئة الثقافية الدينية -هذه كلمتي ولكن هذا مفهوم كلامه- في مجتمعه، وهو اكتشاف أن أسّ الفساد في تحقير الإنتاج الإسلامي التراثيّ القديم يحمل وزره محمّد عبده.
وأنا أطالب كل طالب علم أن يقرأ هذه المقدّمة فهي قيّمة جدًا، وتوقّف لخوفه من هذه النتيجة. يقول أنّ وصوله لهذه النتيجة أتعبه وخاف إخراج هذه النتيجة فبقي الكتاب بين يديه مع المقدّمة ثلاثين سنة محبوسًا لا يخرجه، حتى أراد الله -عزَّ وجلَّ- لهذه الفضيلة أن تخرج وكشف أنّ أساس الفساد في تحقير التراث الّذي بنى عليه طه حسين بعد ذلك. انظر إلى الناس يعدّون محمّد عبده إنتاجًا إسلاميًا، وطه حسين إنتاجًا لا علاقة له بالإسلام. وهو يحسن هنا عندما يقيّم إنتاجه بالإسلام أنّه لا يتعامل حتى مع الإسلام وتاريخه باحترام.
عندما يتعامل العقّاد مع التراث الإسلامي يتعامل معه باحترام ولكن ليخدم فكرته في قضيّة ما يقوله، الّذي هو الفردانية وأن التاريخ يُصنع من خلال الفرد. فهو يأتي إلى العبقريات لهذا، يأتي إلى الإسلام ليدرسه ليخدم له هذه الفكرة.
طه حسين لا يعود إلى التاريخ الإسلاميّ ولا إلى الإسلام ولا قريبًا لهذا المقصد. هو يرى ولم يتغيّر على أنّ الأمّة المصرية -كما يسمّونها هم، صاروا يطلقون هذا اللقب فسادًا وضلالًا وشوفينية بأنّ هناك أمّة مصرية تختلف عن الأمّة الإسلامية وعن الأمّة العربية، يعني حتى لا يريدونها عربية! فيقول الأمّة المصرية-. فهو يرى أنّ قيام الأمّة المصرية لا ينبغي أن يكون له علاقة بالإسلام ولا باللغة العربية ولا بالحضارة الإسلامية ولا بالحضارة العربية.
رأيتم الفرق بين طه حسين والعقّاد؟ العقّاد يريد أن يتّخذ الإسلام وقراءة الإسلام وسيلة لخدمة فكرته الّتي آمن بها، لكن طه حسين لا يرى الإسلام، ومع ذلك كلاهما يتعامل مع الإسلام تعاملًا تاريخيًا وليس له حضور في واقعنا.
إذًا الميّزة الأولى الّتي أعود إليها هي هذه الطريقة الجديدة في قضيّة الزمر الّتي قلنا هي ضرورة ولكن لها جنايتها. كما رأينا هناك فوارق ومع ذلك هي ضرورة، ولكنّها طريقة جديدة، وقطعًا أنّه ألّف الكتاب وهو شابّ. يعني الكتاب الطبعة الثانية في 78 أظنّ أو 77 إذًا هذا الكتاب هو لرجل متقدّم في الفكر، ومتقدّم في النظر. وثانيًا يدلّ على قراءته. الكتاب يدلّ على أنه قارئ وقارئ جيد، قارئ لعلم النفس، وقارئ للأفكار، وللفلسفة، واستفاد من أجل إنتاج هذا الكتاب. وبالتالي هذا إنتاج جيّد في هذا.
النقطة الثانية التي تعتبر ميّزة لهذا الكتاب، ويُقال فيه ما نقوله نحن بأنّني ما رأيت في الحقيقة أحدًا نقد مالك بن نبيّ هذا النقد، وهو مع شدّته لكنّه ضرورة. لماذا؟ هنا يأتي ظلم الأفكار. هنا لا بدّ أن نجمع هذه الكلمة مع كلامنا أنّ الأفكار قد تبدو صحيحة ولكن التطبيقات من صاحبها يقع فيها الخطأ. يعني هل أنتم تجدون أصول الفقه عند الشافعي صحيحة أم خطأ؟ صحيحة. أصول الفقه عند الشافعي صحيحة لكن هل يعني أنّ كلّ فردية قال بها الشافعية معتمدًا على هذه الأصول صحيحة؟ لا، يصيب ويخطئ.
وهذا الذي نراه إمّا أن يكون خطئًا في المنهج؛ فأنتج خطئًا في السلوك، وإمّا أن يكون هناك صواب المنهج وخطأ في السلوك. يعني مثال: الأستاذ أبو الأعلى المودودي المنهج صحيح في تسمية الأنظمة أنّها جاهلية في قضيّة الصراع مع التغريب، في نظره إلى الأفكار القومية السيّئة الّتي أحاطت بالأمة، فهذه تقييدات صحيحة، لكن عند السلوك نراه يتحالف مع حزب علماني! وحزب قومي! فالفكرة صحيحة ولكن السلوك خطأ.
وهذا يمكن أن يُقال بعد ذلك حتّى على الأستاذ نفسه، كيف هو يملك هذه الرؤية ومع ذلك نرى قراءته للواقع مخالفة، قد يُقال هذا. ولكن كنت أتمنّى أن يكون هناك أكثر اتّساع في قراءته لمالك بن نبيّ. يعني في الحقيقة هو جرّد مالك بن نبي من كل حسناته، وبلا شكّ أن ما قاله مالك بن نبيّ من قضيّة حاجة الأمّة وحاجة العالم إلى الإسلام مع الفكرة الهندية والغاندية والسلام؛ لأنّنا نرى أنّ هناك أناس قد تبنّوا أفكار مالك بن نبيّ.
يعني جودت سعيد -وهذا إن شاء الله سنقرؤه، وهو إحدى قراءتنا للقراءة المتهافتة-. تسمعون عن جودت سعيد صاحب رسالة (مذهب ابن آدم الأول)، أو كتاب: (الإنسان حين يكون كلًّا وحين يكون عدلًا)، وهكذا له كتب متعدّدة، حتّى إن بعض المأسورين له والشغوفين به يعدّونه فيلسوف الإسلام المعاصر، والحقيقة لا يستحقّ هذا؛ فإنّ هؤلاء يعتبرون أنفسهم -يعني جودت سعيد ومن معه- يعتبرون أنفسهم تلاميذ لمدرسة مالك بن نبيّ. أي أنّ مالك بن نبيّ جاء إلى دمشق وألقى محاضرات في جامعة دمشق، وتلقّفها هؤلاء وبدأوا يبنوا أفكارهم، ونشأت فكرة أن لا عنف ممّا قاله مالك بن نبي، من أنّ قوة الفكرية تبنّاها مؤتمر باندونغ وهي فكرة عدم الانحياز هي عدم القوة، عدم السلاح.
وهو يقول في كتبه وينقلها الأستاذ غازي ينقلها على أساس أنّها من روحية الإسلام ومن منهج غاندي الّذي دعا إلى كلمة شهيرة له قوله "لو طبّقنا قاعدة العين بالعين لصار العالم كلّه أعمى! " هذا طبعًا استهزاء كما ترون، هذا استهزاء بالقرآن واستهزاء بالسنة. هذا يقوله غاندي، وهم يحملونها، قضيّة العنف، وأنّ مذهب ابن آدم الأول ﴿لَئِن بَسَطتَّ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [سورة المائدة] هو الحل.
هذا الكتاب وما فيه من أفكار هل ما زلنا بحاجة إليها؟ هل ما زال وجود للمدرسة التاريخية؟ موجود، ولكن الحقيقة أُعيدت إلى قمقمها، المدرسة التاريخية أي بجعل الإسلام حالة تاريخية انحسر أمرها؛ حتّى خرجت إلى عداء الإسلام.
لا بأس أن أعود إلى هذه الكلمة بالبيان، أنا أعرف أنّ اليوم المسألة فكرية، فلذلك فيها شيء من الجفاف ولكن لا بدّ من ذلك.
الباحثون يرون أنّ مدرسة محمّد عبده هي الّتي أنتجت قاسم أمين، ومدرسة قاسم أمين ماذا أنتجت؟ العري، والفسق، والفجور؛ ولذلك هو في آخر حياته يُقال أنّه قال: "الله يلعنكم ليس هذا ما قلت". رغم أنّه هو الذي أنتجها! يعني الفكر يمشي، فبداية يكون الانحراف قليلًا كما يقول العلماء، ولكن ينتهي إلى الزندقة والخروج.
المدرسة التاريخية التي يمثّلها العقّاد بدراستها للإسلام والّتي يمثّلها طه حسين حسب تقييمه، -انتهينا من بيان الفوارق وضرورة الزمرة-، اليوم في الحقيقة حسمت أمرها في عداء الإسلام. يعني من يريد أن يقرأ الإسلام قراءة تاريخ وانتهى حسمت أمرها واقعًا. أنا دائمًا أستدل أيّها الإخوة الأحبّة متى يظهر الشيطان على حقيقته؟ يعني الناس يستطيعون رؤيته؟ إما في حالة الإيمان القوي أو الكفر القوي. يعني متى تمثّل الشيطان؟ في زمن النبيّ -صلى الله عليه وسلم-. لماذا؟ لأنّ هذا الإيمان القوي جعله من غيظه يظهر ويخرج إلى المعركة في عالم الشهود، فهو من حقده قال لهم المعركة انتهت ما نجحت معكم في عالم السرية وعالم التآمر وعالم الداسوسية والجاسوسية انتهت، فالآن أنا أواجهكم معركة صريحة وواضحة وقوية. أليس هذا هو تطبيقات أتباع الشيطان اليوم؟!
يعني قبل أن يظهر هذا التيّار الجهادي وتظهر الأمّة وتنتفض، كيف كان يتعامل أتباع الشيطان مع هذه الأمّة؟ من خلال المظهر الحسن، السلام، حقوق الإنسان، من خلال الدعاوى الكاذبة، وفي الأسفل يقوم الدّس والمكر. متى ظهرت حقيقة الجاهلية وحقيقة أتباع الشيطان؟ لمّا أهل الإسلام تقدّموا إلى الإمام، صار هناك معركة، وهنا نزع اللثام. وهكذا الشيطان ظهر زمن النبيّ -صلّى الله عليه وسلم-، لماذا؟ لأنّ الإيمان قوي، فالشيطان خرج ومن حقده أراد أن يحرق النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، نسي أنّ نور النبوة سيحرقه، ومع ذلك اقتحم العقبة.
وكذلك يظهر الشيطان في آخر الزمان، عندما ينتهي الناس ولا يعرفون "الله"، تقوم الساعة وليس على الأرض رجل يقول الله، بعد هذه المرحلة الشيطان يظهر لهم.
في الأول هو يتخفّى لئلا يُعرف؛ حتّى يدير المعركة؛ لأنّه لو ظهر تفشل المعركة، لكن لما المعركة تبين يظهر. ثانيًا لمّا لا يصبح ظهوره يشكل عقبة في قبول قوله يظهر. يعني الحالة الأولى إذا اشتدت المعركة فيظهر؛ لأنّه لا بدّ أن يخوض المعركة، لكن في الحالة الثانية لماذا يظهر الشيطان في آخر الزمان؟ لأنّ ظهوره يخدمه.
لو جاء الشيطان لزان وقال له ازن، يقول له الله يلعنك، والله إنّك الشيطان. لكن هو لا يأت إليه بصورة الشيطان، يأتي إليه بصورة الناصح والوسوسة في الداخل، وإثارة الشهوة. لكن لما يكون هذا يعبد الشيطان حقيقة ولا يرى أنّ الشيطان عدوًا له، لماذا لا يظهر الشيطان؟
يعني لمّا واحد ليس عنده مشكلة أن يتعامل مع اليهود! فيأتي لليهودي ويتعامل معه بوضوح وصراحة ويقول له اؤمرني. ولا يرى أنّ اليهودي لو ظهر وتكلّم معه أن هناك مشكلة في قبول قوله.
يظهر عندما يكون الشر مطبقًا، يخرج لهم الشيطان يقول لهم أنا الشيطان اكفروا، فيقولوا نعم نحن نعبدك، فيطيعونه. لكن لماذا الآن لا يظهر؟ لأنّه لو ظهر لكان في ظهوره تخريب لطريقته. وكذلك عند ظهور الإسلام وظهور الحق حينئذ الخفاء لا ينفع.
هناك لقبوله في آخر الزمان، وفي زمن النبوة هناك لشدة معارضته.
الآن لماذا أقول هذا الكلام؟ أقول هذا الكلام؛ لأنّ المدرسة التاريخية هي مدرسة في عمقها وفي جذرها هي معركة، هي مدرسة ضدّ الإسلام، هي ليست من الإسلام في شيء، هي عدوّة له، لكن لا تستطيع أن تظهر؛ فلا بدّ أن تدخل عالم الإسلام بطريق الرفق، على قاعدة أنّه لا يمكن هدم الشيء إلا من خلال الفيروس الخاص به.
هذا رودنسون يقول لمحمّد عبده والأفغاني لا يمكن هدم الإسلام إلا من داخل الإسلام نفسه.
طبعًا هذه قضيّة مرفوضة عند بعضهم؛ لأنّهم يعتبرون أنّ هدم الشيء من داخله تكريس لهذه النظرية.
المهمّ أنّ المدرسة التاريخية قد حسمت أمرها في عداءها للإسلام، وأين انتهت؟ انتهت في محمّد أركون. انتهت في نصر حامد أبو زيد، انتهت في حسن حنفي، انتهت واضحة، انتهت في محمد شحرور. هي موجودة ولكن في قضيّة قبولها إسلاميًا انتهت؛ لأنّها أظهرت نفسها، وخاصّة بعد ظهور الإسلام في صوره الحقيقية المتمثّل بالتديّن الحقيقي، الجهاد الحقيقي، الواقع الّذي تفرضه الجماعات المسلمة في قضيّة تميّز المسلم عن غيره في قضيّة الولاء والبراء.
هذه نقطة.
النقطة الثانية وهي قضيّة ما يُسمى المدرسة الإصلاحية، ما يُقال الآن هذه المدرسة هي أخطر مدرسة موجودة تاريخيًا، يعني لا ينبغي أن يُقال المدرسة الإصلاحية هي مدرسة منتجة من بعد عصر الاستعمار، هي مدرسة قديمة.
ولذلك هم يستدلون لها بالأقدمين، يستدلّون لها بالغزالي، يستدلّون لها بابن رشد، يستدلون لها بالمعتزلة. يعني المدرسة الإصلاحية الّتي ترى أنّه لا بد من اعتماد النصّ ولكن تأويلًا، واعتماد الإسلام لكن بطريقة تتلاءم مع الواقع، تتلاءم مع الحضارة الغربية، تتلاءم مع الإنتاج الاستشراقي، أنّها هي الّتي تصلح للمجتمع. هذه مدرسة ما زالت موجودة وحاضرة، وهناك من يأخذها أخذًا كاملًا، وهناك من يأخذ منها أخذًا جزئيًا.
يعني ما زلنا نتعامل مع الناس الّذين يريدون أن يجمعوا بين الإسلام وبين غيره. هذه موجودة إلى يومنا هذا والجماعات كثيرة منها. بل نحن نعاني حتّى في داخل ما يُسمى بالتيار السلفي من وجود أناس على هذه الطريقة، وهي أنّ هناك من يرى أن قيام المسلمين لا بد أن يتوافق مع تطويع الإسلام للحضارة الغربية. هذه هي المدرسة الإصلاحية، هكذا تقول.
وضع محمّد عبده في هذا الإطار ثمّ وضع بعد ذلك معه مالك بن نبيّ في هذا الإطار ربّما يخالف البعض وربّما يوافق البعض، ولكن بلا شكّ أنّ محمّد عبده هو من أرسى بقوّة هذه المدرسة. لا بدّ أن نضع هذه الكلمة الّتي قالها الأستاذ محمود شاكر أن نضعها نصب أعيننا في نظرتنا وتقييمنا لإنتاج محمّد عبده، أنّه في الحقيقة أراد سلفية تمحو الإنتاج الإسلامي بحيث العودة للمصدر الأول. وهذه أرجو أن تقرؤوا كلمة الأستاذ محمود شاكر قراءةً جيدةً. هذه مهمّة، وليت أحد الإخوة يطبعها، حتّى لا يظنّ لمّا يأتي للكتاب ويقرأ دلائل الإعجاز ويراه كبيرًا فيترك الكتاب بالكلية، فقط لو طُبعت هذه في رسالة خاصّة ووُزّعت على الإخوة فيكون جيّدًا؛ لأنّها تكشف أن تحقير التراث وللأسف المدرسة السلفية مارست هذا، وهذا شرحته في الموافقات، لمّا قلت بأنّ هناك من يريد أن يلغي الإنتاج الإسلامي المتمثلّ بالتاريخ كونه ليس إنتاجًا نبويًا، ورددت عليهم وقلت بأنّه لا يمكن أن تفهم ثقافة الإسلام إلّا من خلال هذه الأوعية، صحّت هذه الأوعية، قُبلت هذه الأوعية أو لم تُقبل، لكن في النهاية هذه الأوعية.
يعني عندما يأتي واحد يريد -وسيُعرف الآن من المذكور- عندما يأتي واحد يحقّر الإنتاج المذهبي، إنتاج الأئمة، الإنتاج المذهبي يعني المزني إنتاج مذهبي، البيهقي إنتاج مذهبي، النووي إنتاج مذهبي، ابن حجر إنتاج مذهبي، السيوطي إنتاج مذهبي، فيأتي ويقول المذهبية في تاريخنا، فيأتي لك بكتاب فقه ويضرب لك مثالًا بمسألة فقهية أنت اليوم تحتقرها ولا ترى حقيقة -مثال ذلك يقول لو أنّ رجلًا قُصف ظهره فخرج منه المني، هل عليه غسل أم لا؟ فهذه كلمة اليوم يعرف، هذا طالب المدرسة المبتدئ يعرف أنّها غير صحيحة، ولو قُصف رجل الظهر يعني مات، فهل نغسل الميت تغسيل جنابة أو تغسيل الميّت، وهل المني في الحقيقة في ظهر الرجل أو في خصيتيه، يعني يبدأ الاستهزاء بها. ولكن هذه أنتجت احتقار لكتب الفقه المذهبية. أنا أتكلّم ليس فقط مدرسة محمّد عبده ولكن المدارس حتّى الّتي انتسبت للسلفية تقوم على احتقار هذه الطريقة، على هذا التراث، على هذا الإنتاج.
وبهذا أنا أعتقد بأنّ النظر إلى المدرسة الإصلاحية كأخطر مدرسة موجودة على الواقع وما زالت تقاومه من هنا، فمّما يُعد منقبةً لهذا الكتاب أنّ صاحبه أثريٌ -وهو يرفض، أنا أعرفه شخصيًا لا أريد أن أدخل لهذا الجانب، وأهرب منه كليًا-، وهو لا يحب كلمة سلفية تمامًا، يرفضها تمامًا، ليس للفظها، وأنا سأذكر هنا أنّه من المدرسة الأثرية الّتي نقول هي مدرسة الأصول الأثرية، في هذا الجانب، في الجانب الكلّي في قراءته. والدليل على هذا لو قرأت كتابه في مجال العقيدة، وهذا كتاب جيّد، سهل، ورائع في مجال العقيدة. وأظنّه هو ثان إنتاج أو ثالث إنتاج له، في مجال العقيدة، لو قرأته لعلمت تقيّد هذا الكاتب في منهجه في دراسته للإنتاج الإسلامي.
وكذلك يشهد لهذا وهو جذور أزمة المسلم المعاصر عندما يبحث عن الجانب النفسي ويتكلّم عن موضوع عقيدة المسلم في القرآن. عندما تكلّم عن عقيدة المسلم في القرآن أنّه كلام الله، كيف تحدث هذه العقيدة أثرًا نفسيًا عظيمًا؛ لأنّه يتكلم عن الجانب النفسي كلامًا جيّدًا ومهمًّا في كتابه.
في هذا الجانب وهو نقد المدرسة الإصلاحية، وهناك طبعًا لو أنّ الإنتاج يتراكم لكان بعد هذه القاعدة من تسمية هذا الإنتاج بالإنتاج الإصلاحي ثمّ رويت جذورها بعد ذلك، رويت الجذور الّتي انبثقت من هذه المدرسة، فروع، ودخلت هنا، ودخلت هنا، حتّى دخلت في داخل جماعات، يعني المدرسة الإصلاحية ليست بعيدة عن إنتاج مدرسة الإخوان المسلمين. هو الآن يعتبر أنّ المدرسة التربوية المتمثّلة بالأستاذ تقي الدين النبهاني، المتمثّلة بالأستاذ حسن البنا، في الحقيقة المدرسة الإصلاحية، بل كثير من قادة الإخوان الفكريين يعتبرون أنفسهم امتدادًا لمدرسة محمّد عبده.
هناك طائفة من المصريين من الإخوان المسلمين -وهذه منشورة في كتبهم وفي أبحاثهم-، يعتبرون أنّهم جزء ممّا أحدثه محمد عبده من ثورة في داخل العملية الإصلاحية في الإسلام.
يعني فقهاء الإخوان المسلمين -لا نريد أن نذكر أسماء- في قضيّة التأويل الفقهي، ما نصل لدرجة تأويل الجنّ ولا الملائكة هذه لشدّة علماء الإسلام فيها ظهر فسادها وتراجعت مع انتشار المدّ الأثري من العلماء ومحاربتهم لها فاندثرت، ولكن نتحدّث عن التأويل في مجاله الفقهي وليس في مجاله العقائدي، وليس في مجاله الخبري، نتحدث عن التأويل في مجاله الفقهي موجود، ما زال يُمارس! يعني المدرسة الّتي تُسمّى بمدرسة التيسير اليوم وهو البحث عن الأقوال الّتي تؤدي إلى تيسير الفعل دون النظر إلى قوّة الدليل سوى أنّها ميسرة، وهو إسقاط التكليف. لكن هذا إنتاج أيّ مدرسة؟ المدرسة السلفية الّتي هي من إنتاج محمّد عبده وما يريده.
ففيه التقاء؛ وبالتالي البحث عن جرثومة المدرسة الإصلاحية في داخل التيّارات الأخرى، هذه مهمّة ينبغي أن نلاحقها دائمًا، وما زالت المدرسة الأثرية ملاحقة، ومقاتلة من هذه المدرسة. والجماعات الإسلامية تتأوّل على طريقة الإصلاحيين، الجماعات الإسلامية حتّى منها الّتي تقاتل، حتّى منها التي تزعم أنّها أسيرة النصّ وأنّها متقيّدة به، ما زالت يقع منها قضيّة التأويل وما تمارسه المدرسة الإصلاحية.
الآن بقيت كلمات سريعة وهي الحديث عن حزب التحرير، يعني هو جعلها تربوية؛ لأنّها تهتم بالإنسان. هو جعل مدرسة تقي الدين النبهاني مدرسة تربوية؛ لأنّها تهتمّ بالإنسان، المدرسة الإصلاحية أرادت قيام المؤسسات، سواء كانت بجهودها كما أراد محمّد عبده أراد تصحيح الأزهر، أراد إنتاج معاهد دينية جديدة، أراد تقويم المناهج في داخل الأزهر وفي داخل المدار الدينية إذًا هو يتعامل مع المؤسسة في الإنتاج كما يقول هو، وبالتالي التعامل مع المؤسسة. المدرسة التربوية يقول هي تتوجّه بإصلاحها نحو الإنسان.
ثمّ ينتقد مدرسة الأستاذ تقي الدين نبهاني في أنّها اهتمّت كثيرًا بالجانب الفكري على حساب الجوانب التربوية الأخرى الّتي تصنع التوازن لهذا الإنسان المعاصر.
في الحقيقة الأستاذ هنا غفل عن قضيّتين؛ لأنّنا نناقشه في مناقشته. هذا التقييم الّذي نراه مع كل ما قيل فيه، ليس محترزات، ما قيل فقط من زيادة هوامش، ولكن ليس هناك أيّ إشارة إلى أنّ المدرسة التربوية في جذورها سواء كانت المتمثلة بالأستاذ تقي الدين النبهاني أو المتمثّلة بحسن البنا، لا يوجد أي نقد في قضيّة بناء العقيدة بناءً جديدًا.
يعني ناقشنا الأستاذ محمّد قطب، أين نظر إلى الخلل، نظر إلى قضيّة جذر فهم المسلم في داخل الجماعات المسلمة للعقيدة، ولذلك تكلّم عن الولاء والبراء، تكلّم عن قضيّة الحاكمية.
ألم يكن هناك من الأجدى والأفضل -أنا أعرف سيُقال الشيخ فقط تكلّم عنها باعتبار أبعادها- ولكن هذا الكلام الذي انتقدت فيه محمّد عبده وانتقدت المدرسة الإصلاحية كان ينبغي أن تذكره في المدرسة التربوية وهو غياب تجديد المفاهيم الإسلامية الّتي طرأ عليها الانحراف أو طرأ عليها التغييب، وأقصد بذلك مفهوم التوحيد مفهوم الإيمان، الّذي هو لو اعتمدنا على ما يقوله حزب التحرير في تفسيره لمفهوم الإيمان لوجدناه عقلانيًا متكلّمًا، ولو ذهبنا إلى ما يقوله حسن البنا باعتباره المصدر فإنّه كما قال الأستاذ محمّد قطب وقد أحسن أنّه اعتمد على أنّ هذه المفاهيم موجودة، لكنّها تحتاج إلى إعادة ثورة وجدادية لتفعيلها. هذا قلناه، وجيّد أن نربط بين الكتابين لأهميّتهما، وهو الأستاذ يعتبر أنّ إنتاج سيد قطب وإنتاج محمّد قطب هو فرع لهذه القضية. نحن نقف عند هذا، وهو من حقّه أن يقول هذا الكلام، ولكنّنا نتعامل مع المدرسة التربوية، كما أنّه انتقد تقي الدين النبهاني أنّه اعتمد على الفكر دون السلوك فلم تصنع إنسانًا متوازنًا، ونفى قضية الروحانية وعلاج الروح، هذا تقي الدين النبهاني، كما هو يرصد هذه الظاهرة كذلك هو في الاثنين مع تقيّ الدين النبهاني ومع حسن البنا لم يتكلّم عن نقد إنتاج الإنسان كيف يكون، هو وافق تقيّ الدين في عودة الإصلاح إلى الإنسان لكنّه انتقده في كيفيّة إنتاج هذا الإصلاح في الإنسان ولم يتطرّق إلى هذا الجانب في قضيّة حسن البنا. حسن البنا لم ينتج ولم يتكلّم عن أيّ إصلاح في كتبه لمفهوم التوحيد ومفهوم الإيمان الّذي طرأ عليه التغيير، أو طرأ عليه التغييب، فلم يتكلّم، فكان هذا الجانب ينبغي أن يُعتنى به.
وأنا أعتقد بأنّ الّذين اهتمّوا بعد ذلك بسيّد قطب واهتمامه ببناء الإنسان العقائدي خاصة شعاره العظيم جيل إسلامي جيل قرآني فريد، إنتاج القرآن، الّذين تكلّموا عن قضية اكتشاف الإرجاء في داخل الفكر الإسلامي وهذه ليست من جهة واحدة، هذه من هداية الله، مثلًا الإخوان المسلمين لمّا دخلوا السجون، ما الّذي اكتشف قضيّة الإرجاء؟ طلاب علم صغار وبعض المشايخ. صحيح انحرفوا وذهبوا بعيدًا بحيث كفّروا المجتمع، لكن اكتشفوا جذور الإرجاء.
المدرسة نفسها الأثرية اكتشفت جذور الإرجاء؛ فهذه من فضائلها أنّها اكتشفت معالم الانحراف العقدي في داخل الأمّة، هذا هو الّذي ينبغي أن نعلّق عليه الجرس في قراءتنا للمدرسة التربوية، لا أن ننظر إليها فقط هي أنّها مهتمّة بالإنسان فنخطّئ أنّ الإنسان يُبنى من خلال المؤسسة أو أنّ المؤسسة تُبنى من خلال الإنسان، لكنّنا ينبغي أن نهتمّ بم يُصنع الإنسان، وهي قضيّة بناء الإنسان القرآني.
وبناء الإنسان القرآني لا تبقى فقط شعارًا! لا، نحن أمام مفاهيم مغيّبة، أمام مفاهيم منحرفة ينبغي أن ... بها. ربّما كتب الشيخ بعد ذلك خاصّة كتابه في مجال العقيدة وجذور أزمة المسلم المعاصر الجانب النفسي ربّما تقوم بمثل هذه الزيادة والتنبيه.
أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يغفر لنا.
في النهاية هذا كتاب جيّد ومهم وجزى الله كاتبه خير الجزاء، وبارك الله فيكم، والحمد لله رب العالمين.
الكتاب القادم وهو كتاب مهم جدًا كتاب أحمد الكاتب "الشيعي الذي تطوّر ولم يتسنن" وهو (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه).
الأسئلة:
السائل: ما سبب عدم إدخال جمال الدين الأفغاني ضمن الشخصيات المتحدّث عليها في الكتاب.
الشيخ: هو يقول بأنّه بدأ بمحمّد عبده لسبب ذكره في مقدّمة الكتاب، لكن في الحقيقة أين نستطيع أن نضع جمال الدين أفغاني هو يهتمّ بالجانب السياسي، يعني ينظر إلى تطوّر الفكرة، جمال الدين الأفغاني كان اهتمامه منصبًا على القضيّة من فوق والتعامل مع السياسيين وتغيير السياسيين وثورة الأمة ضدّ السياسة، ضدّ الاستبداد، إلى آخره. ثم جاء محمد عبده ردّة فعل على الفشل الّذي لقيه جمال الدين الأفغاني؛ لأنّه فشل سياسيًا وطورد وحورب، فبعد ذلك رأى أن يدخل إلى جانب الإصلاح التربوي المؤسسة التعليمية؛ ولذلك أبغض كلمة سياسة وساس ويسوس وسبّها ولعنها.
وثمّ بعد ذلك هذا الإنتاج الّذي هو عباءة كبيرة لكلمة السلفية أنتجت سلفية قاسم أمين وأنتجت سلفية محمّد عبده. يعني محمّد عبده لما رفع شعار إعادة إلغاء التراث والسلفية فهناك من ذهب ثمّ دخلت السلفية على محمّد عبدة وانتهت إلى ما انتهت إليه الذي هو بعد ذلك سلك هذا الطريق. فلا نستطيع أن ندخل جمال الدين الأفغاني؛ لأنّه كان يؤمن بالتغيير السياسي، كان الرجل انقلابًيا، وثوريًا في الحقيقة. كان رجلًا ثوريًا وانقلابيًا وضدّ السياسيين ويريد تثوير الأمة في هذا الأمر بالطرق التي يؤمن بها.
- سؤال عن كتب تؤرّخ للفترة ما بين 1908 و 1926 في بلاد المسلمين
الشيخ: بلا شكّ هذه الحقبة شملت الحرب العالمية الأولى ودخول أمّتنا تحت نير الاستعمار فهي حقبة مهمة، لكن هل هناك كتاب يشمل العالم الإسلامي كلّه؟ يعني أنت تريد منطقة، تريد شخصية، تريد كذا، كتاب محمود شاكر السوري وليس المصري (التاريخ الإسلامي) مع أنّه للأسف من كان عنده الأجزاء المفقودة هناك جزئان مفقودان من كتاب (التاريخ الإسلامي) لمحمود شاكر، أرجو من كان عنده هذان الجزئان أن يضعهما في النت؛ لأنّ الناس يبحثون عنهما، إذا كانا قد طُبعا ووجدا، لا أعرف كثيرًا عن هذا الأمر. فهذا الأستاذ محمود شاكر السوري -رحمه الله- ومات قريبًا، حاول أن يقدّم الكثير مع ما فُقد من الأجزاء المذكورة هي ما تتعلّق بالتاريخ المعاصر.
- في هذه الفترة بالتحديد
- عن أي منطقة؟
- منطقة الدول العربية والعالم الإسلامي
- فقط لا يوجد كتاب يجمع التاريخ الإسلامي، لكن مثلًا هناك دراسات خاصّة، ونحن كما ترى أنّ التاريخ المعاصر هو تاريخ يُصنع على يد السياسة، وقليل منه ما صُنع بعلمية وإنصاف وحرفية؛ فلذلك أنت تجد مثلًا الكلام عن الدولة العثمانية، الدولة العثمانية سقطت سنة 1916 أنت تتكلّم عن الفترة من 1908 إلى 1927 إذًا سقوط الدولة العثمانية، يعني أنت لما تتكلّم عنهم أنت بحاجة إلى قراءة متعدّدة حتّى تستخلص الحقّ، هناك من يتكلّم عنها بلؤم، ويتكلّم عنها بإسقاط، ويتكلّم عنها بعداء، وهم القوميون، وصنّاع الدول المعاصرة القومية. وهناك من يتكلّم عنها بشغف، ولا يريد أن يقدّم نحوها أي نقد، وهناك من ينصف. الكلام عنها فيه شك.
- واضح شيخ، سألت عن هذه الفترة بالتحديد؛ لأنّ هذه الفترة مهمّة جدًّا خصوصًا للعالم العربي والعالم الإسلامي
- لأنّها شكلتنا.
- أنا عندي قراءات سابقة وعندي استنتاجات لكن استنتاجات ذهنية، واستنتاجات فكرية ليست مدعّمة بالأدلّة التاريخية، وليست مدعّمة بالرسائل، وليست مدعّمة بالمشورة. هذه الفترة هي الّتي غيّرت مجرى حياتنا في هذا الوقت؛ لأنّه أنا من خلال القراءات استنتجت أنّ هناك مؤامرات تمّت في هذه الفترة بالتحديد وهي سيطرة الأحزاب العلمانية على الدولة العثمانية، ولم يريدوا إسقاط الدولة العثمانية كخلافة إلا بعد انتزاع ثقة أهل الإسلام والعرب وإخراج الخلافة وملفوظ الخلافة من قلوب الناس؛ حتى تتشوّه هذه الصورة في قلوب النّاس بسيطرة هؤلاء العلمانيين على كثير من مصالح الدولة وعلى كثير من قرارات الدولة. لمّا تمّ لهم هذا الأمر جاء إعلان إسقاط الخلافة أو الدولة التركية العلمانية، بهذه الفترة تمّ تقسيم الوطن العربي، وتمّت الاتفاقات مع الأنظمة العربية، وتمّ الاتفاق مع الحكام العرب على مرسوم معيّن أنّ الّذي يخرج عن هذا المرسوم لا بدّ أن يذهب إلى اليسار أو أن يلاقي حتفه. هذا جميعًا هو عبارة عن استنتاج، الخلافة العثمانية فعليًا تمّ إسقاطها في العشرين 24 أو 26، فعليًا العلمانية سيطرت في 1906، 1907، 1908، بعد أن أصبحت مصادر الدولة العثمانية، جميع القرارات بيد الأحزاب العلمانية؛ فبدأ هؤلاء العلمانيون بسياسة التتريك، وبسياسة القتل والتشريد والسرقة والنهب، لكن باسم العلمانية لا، باسم الخلافة. فذهبت الخلافة من قلوب الناس. هذه الفترة مهمّة جدًا. حقيقة أنا حاولت حتّى لو في المصادر الغربية، مصادر الكتب التاريخية سواء كانت إسبانية؛ لأنّه الأسبان كتبوا في هذا المجال آلاف الكتب الغير مترجمة، أنا أعرف أنّ الذين كتبوا التاريخ الآن إمّا أن يكون علماني خبيث وإما أن يكون رافضي شنيع كما الآن يخدم مصالح الرافضة، أو أن يكون يهودي نصراني مستشرق، أو أن يكون مسلم منصف. فالتاريخ لا يخرج عن هذه الأربعة؛ إمّا مستشرق، وإمّا رافضي، وإما علماني، وإما أن يكون واحد مسلم الآن منصف ينقل التاريخ كما هو، ليس يعني تحت سياسة معينة، ليس تحت هدف معين. العلمانية لها هدف من كتابة التاريخ، والرافضة لهم هدف من كتابة التاريخ، والمستشرقون لهم هدف من كتابة التاريخ. لكن نحن نريد كتابًا تاريخيًا يذكر المعلومات التاريخية بتجرّد.
- شيخي، الكتابة المستوعبة لحالة الإسلام كلّه ضمن هذه الحقبة الزمنية من الصعب أن يقوم به شخص أو شخصان أو حتّى ثلاثة، لا بدّ لها من مؤسسة. ومعنى كلمة مؤسسة يعني فيه داعم، ومعنى فيه داعم يعني فيه ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾، يربط حنكه ويمشيه كما يريد. فبالتالي هناك كتب يمكن يتمّ توزيعها في مدارس أو في دراسات تاريخية يقوم بتوزيعها عليهم، يقرأ هذا الشخص، قراءة أشخاص، يعني الخارطة الفكرية الّتي شكّلت واقعنا الكتب فيها كثيرة، نحن نتحدّث الآن عن طه حسين، ونتحدّث قبله عن محمّد عبده، ونتكلّم عن جمال الدين الأفغاني. مع أنّه حتى الآن لم يُغلق الكتاب. يعني الكلام عن جمال الدين الأفغاني إلى الآن، يعني يمكن