فجاء الخطيب في كتابه (الكفاية في علوم الرواية) وقال بأن زيادة الثقة مقبولة، اعتبروا هذا دخول علم الكلام والمنطق لعلم الحديث، هذا رصد للتطوّر.
ابن حجر في كتابه (فتح الباري) يرصد ظاهرة غلبة المذهب الفقهي في قضيّة الخروج على الأئمة، ويقول بأنه بعد حادثة عبد الرحمن بن الأشعث غلب على المذهب السنّي القول بعدم جواز الخروج على أئمة الجور، وهذا مذهب جديد.
عندما يرصد ابن تيمية بأن أوّل من قال بعدم كفر تارك الصلاة هو الأوزاعي، أوّل من عُرف عنه بأنه قال هذه الكلمة، وإلا فالمستقِرّ عند أهل الإسلام والفقهاء بأن تارك الصلاة كافر، وبعد ذلك الغريب جدًّا أن هذا المذهب الناشئ هو الذي غلب. كما أن مذهب عدم القيام على أئمة الجور هو الذي غلب، يعني يصبح الجديد هو الذي يمثّل الحقيقة مع غياب الحقيقة نفسها!
أعود للنقطة التي بدأت فيها وهي أننا نحن أهل السنة يمكن أن نرصد هذا، ويجب أن نعترف بأن هناك ثمة تحوّلات، مثلًا علم الأصول هناك ثمة تحوّلات فيه، ونحن نعترف ولما كنت أشرح (الموافقات) كنّا نعاني من المصطلحات الأصولية الكلامية ولكنها ضرورة لا بد أن ندخلها. ولإعادة الجدّة على طريقة الأوائل هذا مشروعٌ لا نقدر عليه. نحن أعجز من هذا، نحن الآن دورنا أن نفهم.
يأتي واحد يقول: "نريد أن نجدّد علوم أصول الفقه". هذه كلمة يجوز أن ينطقها أيّ واحد كشعار، ولكن كممارسة هنا المصيبة!، على قاعدة الأستاذ عبد السلام هارون -رحمه الله-: "التجديد يبدأ بقتل الماضي بحثًا". قبل أن تستوعب الماضي على ما هو عليه لا يجوز لك أن تتكلّم.
ونحن إلى اليوم الذي ينطق عبارة التجديد إنما ينطقها من العجز عن فهم السابق. فيقول: هذا طريق صعب لا نريده وبالتالي علينا أن نذهب مباشرة. هذه من المصائب التي جعلت المعاصرين يحتقرون كتب الأوائل لوجود صياغة فيها تخالف أساليبهم المعاصرة. هل هذا صحيح أو خطأ موضوع ثانٍ، ولكن نتكلّم أنك عليك أن تفهم أولًا قبل أن تنتقد، عليك أن تستوعب قبل أن تبني.