ثانيًا: طرق الأوائل في البيان وفي الإبانة عن أنفسهم كانت شحيحة لأنهم يخاطبون العلماء، فبالتالي تخرج القواعد عندهم كما يُسمى في البلاغة بـ"اللَّمْحة الدَّالة". فكتب الأوائل هي اللمحة الدالة، كيف تُفسّر هذه الكلمة؟ قد تحتاج إلى كتب!
وأنتم ترون الآن علم البلاغة مأخوذ من (أساس البلاغة) وتفصيل لما قاله الجرجاني، والذي قاله الجرجاني هو تفصيل لما قاله سيبويه، لما قاله في لمحات دالة في كتابه (الكتاب).
العلماء الأوائل لا يُنشؤون الكتب الكبيرة لأنهم يكتفون بما قلته لكم (باللمحة الدالة)، تكفي هذه اللمحة الدالة لتدلّ على عمق ما في نفوسهم من علوم.
والأمثلة كثيرة، كالأستاذ محمد محمد أبو موسى وأنصحكم بقراءة كتابه (دلالات التراكيب - دراسة بلاغية) فهو يأتي ناقدًا إلى شعر ذي الرمة ويقول: "بأنه كبعر آرام أو كنقط عروس"، يصف شعر ذي الرمة بهاتين الكلمتين: كنقط عروس يعني الحنّاء في يد العروس. أو كبعر آرام كبعر حبّات البعر للغزال. هذه كلمة تحتاج إلى مصنّف من أجل أن تكشف معناها!
وهذا الذي أريد أن أنبّه عليه؛ بأنه يجب علينا أن نقرأ الأديان في أصولها، والعلوم في موضعها الأوّل. يعني النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قال لعدي بن حاتم: (أنا أدرى بدينك منك)، عدي غيّر دين الراكوسية -مذهب من مذاهب النصرانية كان عليه عدي-، فقال له: (أنت تأخذ من أهلك الأرباع ولا يحقّ لك إلا الخمس). قال: أوتعرف ديني؟ قال: (أنا أعرف بدينك منك)؛ فهو يعرف ما عليه، ويعرف كيف غيّر وبدّل. وهكذا معرفة الأصول العلمية للمذاهب مهمّة جدًّا.
هذه نقطة.
النقطة الثانية وهي أتعبتني: عندما قرأت كتاب (كسر الصنم) للبرقعي. في الحقيقة أهل السنة يقدرون على نقد تطوّر ما عندهم من فقه، يعني أهل السنة ينتقدون مثلًا تطوّر علم الحديث، تطورًا جيدًا في جانب، وتطورًا منتكسًا في جانب. عندما يقول ابن رجب -رحمه الله- في شرحه لعلل الترمذي بأن أول من أدخل مذاهب الأصوليين في علم الحديث هو الإمام الخطيب البغدادي، فهو رصد ظاهرة بأن الخطيب البغدادي جاء إلى مسألة من مسائل علم الحديث وهي قضية زيادة الثقة. زيادة الثقة عند الأوائل الكلام فيها يطول.