تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهناك بعض التصويبات في تاريخ الصوفية؛ يعني الطريقة النقشبندية في الحقيقة هي ثورة في داخل التصوّف لكنها لم تنجح. لكن النقشبندية في أساسها هي قيام ضدّ التصوّف الراقص؛ لأن هناك التصوّف الصامت الذي تمثّله النقشبندية، وهناك التصوّف الراقص ويمثّله الرفاعية مثلًا.

فهي ثورة، ومع ذلك انتكست وعادت إلى طريقة ذكر أقبح من الصائت؛ فصارت طريقة الذكر عند النقشبندية أقبح ومتعبة أكثر من طريقة الصائت الذي يرقص ويجاهر بالذكر.

وهناك محاولات في كل الأديان لتصويبها، لكن الدين الإلهي -وليست الأديان؛ الأديان باعتبار الشرائع، ولكن باعتبار الأصل فكلّها: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ -، هذا الدين تطوّره يعني فساده.

العلوم تتطوّر ارتقاءً إما من جهة معناها وإما من جهة أسلوبها، ومثال ذلك: نحن نرى مثلًا علوم العربية تطوّرت ارتقاءً من جهة الأسلوب والتفصيل؛ فأصل علوم العربية كلها من كتاب (الكتاب) لسيبويه، لكنّ هذه العلوم فُصّلت وصارت منفصلة، وتترقّى في أدلّتها وفي تفصيلاتها، وفي تبويبها، وفي أركانها، فالعلوم تترقّى.

القصد مما قلته في كتاب (فن القراءة) أن من المهمّ جدًا أن نقرأ العلوم كما وضعها أصحابها: العطاء الأول له أَلَقُه. وفي الحقيقة من بركة العلم أن أنسب هذه الفائدة للأستاذ محمود شاكر في كتابه (نمط صعب ونمط مخيف) عندما نبّه إلى جناية تسمية الشعر القديم بالتفعيلة، وقال إن التفعيلة أفسدت كثيرًا من ألق بناء الشعر الموسيقي، لأنه يريد أن يقول: ليت كتاب الخليل وصل لنا. وكتاب الخليل الذي بنى الشعر على أساس الدوائر، وهذا يعرفه أهل العروض.

فقال كلمته: إن غياب الكتاب الأول للخليل قد أضاع كثيرًا من فضائل هذا العلم، وضرب مثالًا في (رسالة في الطريقة إلى ثقافتنا) عندما بيّن أن وضع سيبويه لتفريق الأفعال -وهو لم يقل مضارع-، ضرب مثالًا لهذا الألق عند الأوائل عندما وضعوا الكتب الأولى.

ولا شكّ أن الكتب الأولى كذلك فيها ضعف ما. يعني لما يأتي الشيخ زاهد الكوثري -رحمه الله- ويقارن بين كتاب (اختلاف الحديث) للإمام الشافعي و (مشكل الآثار) للإمام الطحّاوي، بلا شك أن المشاكل في عصر الطحاوي غير المشاكل في عصر الشافعي. هذا واحد.

مشروع ألف كتاب قبل الممات · الصفحة ٦٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مشروع ألف كتاب قبل المماتص ٦٩٣