تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشدّ منكم على دراهمكم ودنانيركم !

وكان يقول : ابن آدم إنك بين مطيّتين يُوضِعانك : الليل إلى النهار ، والنهار إلى الليل ، حتى يُسلمانك إلى الآخرة ، فمن أعظم منك يا ابن آدم خطراً .

وهذا عامر بن عبد قيس – أحد التابعين – يقول له رجل : كلّمني . فيقول له : أمسك الشمس !

وما ذلك إلا ليشعره بقيمة الوقت .

قال عبدُ الرحمن بن مهدي : لو قيل لحماد بن سلمة : إنك تموتُ غداً ، ما قَدَر أن يزيد في العمل شيئا .

وقال عفان بن مسلم : قد رأيت من هو أعبد من حماد بن سلمة ، ولكن ما رأيت أشدّ مواظبة على الخير وقراءة القرآن والعمل لله من حماد بن سلمة .

وقال موسى بن إسماعيل : لو قلت لكم إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكا قط صدقتكم ، كان مشغولا بنفسه ؛ إما أن يُحدِّث ، وإما أن يقرأ ، وإما أن يسبح ، وإما أن يصلي . كان قد قسم النهار على هذه الأعمال .

ولذا مات حماد بن سلمة في المسجد وهو يصلي .

هكذا كانت تُقضى الأوقات .

ولذا كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول : إني لأكره أن أرى الرجل فارغا ، لا في عمل الدنيا ، ولا في عمل الآخرة .

وهذا أحد علماء السلف ، وهو محمد بن سلاَم البيكندي – شيخ البخاري - يحضر مجلس شيخه ، والشيخ يُملي وهو يكتب الحديث فانكسر قلمُه ، فأمر أن يُنادى : قلمٌ بدينار ! فتطايرت إليه الأقلام .

وما ذلك إلا لحرصه على وقته وخشية أن يضيع منه شيء .

فالوقت عندهم أثمن من كل شيء .

الوقت عندهم أثمن من الدينار والدّرهم .

بل من شُحِّهم بأوقاتهم وحرصهم عليها كان بعضهم يجعل بريَ الأقلام في أوقات مجالسة مَنْ يزوره .

كما كان ابن الجوزي – رحمه الله – يصنع .

مكتبة الشيخ عبد الرحمن السحيم · الصفحة ٩٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مكتبة الشيخ عبد الرحمن السحيمص ٩٨٢