قال أبو الدرداء : لكني لا أقول كما قال ، لولا ثلاث ما باليت متى متّ : لولا أن أسير غازيا في سبيل الله ، أو أعفر وجهي في التراب ، ولولا أن أقاعد قوما يلتقطون طيب الكلام كما يُلتقط طيب التمر ، ما باليت متى متّ .
وذكر الجاحظ في البيان والتبيين بعض الآثار عن فضل طيب الكلام فقال :
قال الفضيل بن عياض رحمه الله : نِعمت الهدية الكلمة من الحكمة يحفظها الرجل حتى يلقيها إلى أخيه .
وكان يُقال : اجعل ما في الكتب بيت مال ، وما في قلبك للنفقة .
وكان يُقال : يَكتب الرجل أحسن ما سمع ، ويحفظ أحسن ما كتب .
وقال أعرابي : حرف في قلبك خير من عشرة في طومارك .
وقال عمر بن عبد العزيز : ما قُرن شيء بشيء أفضل من علم إلى حلم ، ومن عفو إلى قدرة .
وكان ميمون بن سياه إذا جلس إلى قوم قال : إنا قوم منقطع بنا فحدثونا أحاديث نتجمل بها .
وفخر سليم مولى زياد بزياد عند معاوية ، فقال معاوية : أسكت فو الله ما أدرك صاحبك شيئا بسيفه إلا وقد أدركت أكثر منه بلساني .
وضرب الحجاج أعناق أسرى فلما قَدّموا إليه رجلا ليضرب عنقه قال : والله لئن كنا أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو ، فقال الحجاج : أف لهذه الجيف أما كان فيها أحد يحسن مثل هذا ؟ وأمْسَكَ عن القتل .
وقدموا رجلا من الخوارج إلى عبد الملك لتضرب عنقه ودخل على عبد الملك ابن صغير له قد ضربه المعلم وهو يبكي فهمّ عبد الملك بالمعلم فقال : دعه يبكي فانه أفتح لجرمه وأصح لبصره وأذهب لصوته ، فقال له عبد الملك : أما يشغلك ما أنت فيه عن هذا ؟! قال : ما ينبغي للمسلم أن يشغله عن قول الحق شيء ، فأَمَرَ بتخلية سبيله . انتهى ما ذكره الجاحظ . اهـ .
وسُئل الأوزاعي : ما إكرام الضيف ؟
قال : طلاقة الوجه ، وطيب الكلام .
وإني لطلق الوجه للمبتغي القِرى = وإن فنائي للقرى لرحيب
أضاحك ضيفي عند إنزال رحله = فيخصب عندي والمحل جديب
وما الخصب للأضياف أن يُكثر القِرى = ولكنما وجه الكريم خصيب